الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث سفيان مع بنت أم حسان العابدة الزاهدة وذكر ما كانت عليه من كثرة العبادة

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا محمد بن أبي رزيق بن جامع المصري ، ح . وحدثنا إسحاق بن أحمد بن علي ، ثنا إبراهيم بن يوسف ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، قالا : ثنا عبد الله بن سليمان أبو محمد الثبدي ، ثنا محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان الثوري ، قال : " دخلت على بنت أم حسان الأسدية وفي جبهتها مثل ركبة العنز أثر السجود ، وليس به خفاء ، فقلت لها : يا بنت أم حسان ، ألا تأتين عبد الله بن شهاب بن عبد الله ، فرفعت إليه رقعة ، لعله أن يعطيك من زكاة ماله ما تغيرين به بعض الحالة التي أراها بك ؟ فدعت بمعجر لها فاعتجرت به فقالت : يا سفيان ، لقد كان لك في قلبي رجحان كثير ، أو كبير ، فقد ذهب الله برجحانك من قلبي ، يا سفيان ، تأمرني أن أسأل الدنيا من لا يملكها ؟ وعزته وجلاله ، إني أستحي أن أسأله الدنيا وهو يملكها ، قال سفيان : وكان إذا جن عليها الليل دخلت محرابا لها ، وأغلقت عليها ثم نادت : إلهي ، خلا كل حبيب بحبيبه ، وأنا خالية بك يا محبوب ، فما كان من سجن تسجن به من عصاك إلا جهنم ، ولا عذاب إلا النار ، قال سفيان : فدخلت عليها بعد ثلاث ، فإذا الجوع قد أثر في وجهها ، فقلت لها : يا بنت أم حسان ، إنك لن تؤتي أكثر مما أوتي موسى والخضر عليهما السلام إذ أتيا أهل القرية ، استطعما أهلها ، فقالت : يا سفيان ، قل الحمد لله فقلت : الحمد لله ، فقالت : اعترفت له بالشكر ؟ قلت : نعم ، قالت : وجب عليك من معرفة الشكر شكر ، وبمعرفة الشكرين شكر لا ينقضي أبدا ، قال سفيان : فقصر والله علمي ، وفسد لساني ، وما أقوم بشكر كلما أعترف له بنعمة وجب علي بمعرفة النعمة شكر ، وبمعرفة الشكرين شكر ، فوليت وأنا أريد الخروج ، فقالت : يا سفيان ، كفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله [ ص: 10 ] ، وكفى بالمرء علما أن يخشى الله ، اعلم أنه لن تنقى القلوب من الردى حتى تكون الهموم كلها في الله هما واحدا ، قال سفيان : فقصرت والله إلي نفسي " .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا أحمد بن محمد بن صدقة ، ثنا علي بن محمد بن أبي المضاء المصيصي ، ثنا خلف بن تميم ، ثنا أبو حذيفة العجلي ، عن سفيان الثوري ، قال : " أتدرون ما تفسير : لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ يقول : لا يعطي أحد إلا ما أعطيت ، ولا يقي أحد إلا ما وقيت " .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا أحمد بن محمد بن صدقة ، ثنا علي بن محمد بن أبي المضاء ، ثنا خلف بن تميم ، قال : " دخل إياس بن عمرو بن يزيد بن عقال مسجد سفيان الثوري ، فقال : أبلغك يا أبا عبد الله أن قول لا إله إلا الله عشر حسنات ، والحمد لله ، والله أكبر عشر ؟ فقال : كذا أبلغنا ، وقال : فما تقول فيمن كسب ثلاثين ألف درهم من غير حقها وقال : أقعد وأسبح وأحمد وأكبر حتى أعمل من الحسنات بعدد هذه ؟ فقال سفيان الثوري : فليردها قبل ، فإنه لا يقبل له ذكر إلا بردها " .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا علي بن أحمد بن النضر ، قال : سمعت عثمان بن أبي شيبة ، يقول : سمعت معاوية بن هشام ، يقول : سمعت سفيان الثوري ، يقول : " إنما سميت الدنيا لأنها دنية ، وسمي المال لأنه يميل بأهله " .

حدثنا محمد بن عمر بن سلم ، ثنا عبد الله بن بشر بن صالح ، ثنا أبو سعيد الكندي ، ثنا أبو خالد الأحمر ، قال : سمعت سفيان الثوري ، يقول : " كان أقوام يدعون إلى الحلال فلا يقبلونه ، ويقولون : نخاف منه على أنفسنا " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن عطاء ، حدثني أبي ، ثنا محمد بن مسلم ، ثنا سلمة بن شبيب ، ثنا مبارك أبو حماد ، قال : سمعت سفيان الثوري ، يقرأ على علي بن الحسن : " يا أخي اطلب العلم لتعمل به ، ولا تطلبه لتباهي به العلماء ، وتماري به السفهاء ، وتأكل به الأغنياء ، وتستخدم به الفقراء ، فإن لك من علمك ما عملت به ، وعليك ما ضيعت منه ، فقد بلغنا - والله أعلم - أنه من طلب الخير صار غريبا في زماننا ، ولا تستوحش ، واستقم على سبيل ربك ، فإنك إن فعلت ذلك كان [ ص: 11 ] مولاك الله تعالى ، وجبريل ، وصالحو المؤمنين ، واشتغل بذكر عيوب نفسك عن ذكر عيوب غيرك ، واحزن على ما قد مضى من عمرك في غير طلب آخرتك ، وأكثر من البكاء على ما قد أوقرت به ظهرك ، لعلك تتخلص منها ، ولا تمل من الخير وأهله ، ولا تباعد عنهم ، فإنهم خير لك ممن سواهم ، ومل الجهال وباطلهم ، وتباعد عنهم ، فإنه لن ينجو من جاورهم ، إلا من عصم الله ، وإن أردت اللحاق بالصالحين فاعمل بأعمال الصالحين ، واكتف بما أصبت من الدنيا ، ولا تنس من لا ينساك ، ولا تغفل عمن قد وكل بك ، يحصي أثرك ، ويكتب عملك ، راقب الله في سريرتك ، وعلانيتك ، وهو رقيب عليك ، واستح ممن هو معك وهو أقرب إليك من حبل الوريد ، اعرف فاقة نفسك ، وحقارة منزلتها ، فإنك حقير فقير إلى ربك ، وابك على نفسك وارحمها ، فإنك إن لم ترحمها لم ترحم ، ولا تغشها ، ولا توردها ، وخذ منها لك ، فإنك بيومك ، ولست بغدك ، وكأن الموت قد نزل بك ، ولا تغفل غفلة الغافلين والجاهلين ، وأكثر من البكاء على نفسك ، فلست من الضحك بسبيل إن عقلت ، فقد بلغت - والله أعلم - أن الله تعالى عير أقواما في كتابه بالضحك ، وترك البكاء فقال ( أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون ) ومدح أقواما في كتابه فقال : ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) ، وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا أحب الله قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضى ، ومن سخط فله السخط " .

وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كم من نعمة لله في عرق ساكن " .

حدثنا أبي ، ثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يزيد الزهري ، ثنا أبو طاهر ، ثنا المسيب بن واضح ، قال : سمعت أبا إسحاق الفزاري ، يقول : سمعت سفيان الثوري ، يقول : " البكاء عشرة أجزاء ، تسعة لغير الله ، وواحد لله ، فإذا جاء الذي لله في السنة مرة فهو كثير " .

حدثنا أبي ، ثنا محمد بن أحمد ، ثنا أبو طاهر ، ثنا المسيب بن واضح ، ثنا [ ص: 12 ] يوسف بن أسباط ، عن سفيان ، قال : " يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم " .

حدثنا أبي ، ثنا محمد بن أحمد ، ثنا أبو سيار ، ثنا عبيد بن جناد ، ثنا خلف بن تميم ، قال : سمعت سفيان الثوري ، يقول : " من أحب أفخاذ النساء لم يفلح " .

حدثنا أبي ، ثنا محمد بن أحمد ، ثنا إسماعيل بن عبد الله ، ثنا المسيب بن واضح ، قال : سمعت عبد الله بن المبارك ، يقول : سئل سفيان الثوري : " طلب العلم أحب إليك يا أبا عبد الله أو العمل ؟ فقال : " إنما يراد العلم للعمل ، لا تدع طلب العلم للعمل ، ولا تدع العمل لطلب العلم " .

حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد ، ثنا أبو عمرو بن عقبة ، ثنا الحسن بن عرفة ، ثنا ابن أبي غنية ، عن سفيان الثوري ، قال : " مر عابد براهب ، فقال العابد : يا راهب ، ما بلغ - أحسبه قال - من عبادتك ؟ قال الراهب : ينبغي لمن يعلم أن الجنة حق ، والنار حق أن لا تأتي عليه ساعة إلا وهو قائم يصلي ، قال العابد : إني لأبكي حتى ينبت العشب من دموع عيني ، قال الراهب : إن الذي يضحك ويقر خير من الذي يبكي ويدل ، لأن المدل لا تجاوز صلاته رأسه " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث