الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب ابن أدهم إلى عبد الملك مولاه ووصيته له بتقوى الله

حدثنا عبد الله ، ثنا أحمد ، ثنا يحيى بن معين ، ثنا يونس بن سليمان أبو محمد البلخي ، قال : قرأت كتاب إبراهيم بن أدهم إلى عبد الملك مولاه : أما بعد أوصيك بتقوى الله ، إنه جاءني كتابك فوصلك الله ، تذكر ما جرى بيننا ، فمن رعى حق الله وفر حظه وسلم منه الناس ، ومن ترك حظه ولم يراقب حقه ولع به الناس ، وذلك إلى الله ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله ، ثم إن القوم ناس مثلكم ، يغضبون ويرضون ، فكان الذي يقومهم إليه يرجعون ، وبه يقنعون ، وبه يأخذون ، وبه يعطون ، فأثنى عليهم أحسن الثناء فاقتدوا بآثارهم وأفعالهم ، حتى أنتم على ملتهم ، وتمنون منازلهم ، ثم إن الله تعالى أحسن إلينا وأبقانا بعد الجيران ، فنعوذ بالله أن يكون إبقاؤنا لشر فإنه لا يؤمن مكره ، والأعمال بالخواتيم ، وإنه من خافه لم يصنع ما يحب ولم يتكلم بما يشتهي ، وينبغي لصاحب الدين أن يرجو في الكلام ما يرجو في الفعل ، وأن يخاف منه ما يخاف من الفعل ، وذلك إلى الله ، فإن استطعت أن لا يكون عندك أحد هو آثر من الله فراقبه في الغضب والرضا ، فإنه يعلم السر وأخفى ، ويغفر ويعذب ، ولا منجا منه إلا إليه ، فإن استطعت أن تكف عما لا يعنيك ، وأن تنظر لنفسك ، فإنه لا يسعى لك غيرك ، إن الناس قد طلبوا الدنيا بالغضب والرضا ، فلم ينالوا منها حاجتهم وإنه من [ ص: 15 ] أراد الآخرة كان الناس منه في راحة ، لا يخدع من ذلها ، ولا ينازعهم في عزها ، هو من نفسه في شغل ، والناس منه في راحة ، فاتق الله ، وعليك بالسداد ، من مضى إنما قدموا على أعمالهم ، ولم يقدموا على الشرف والصوت والذكر ، فإن الله تعالى أبى إلا عدلا ، أعاننا الله وإياكم على ما خلقنا له ، وبارك لنا ولكم في بقية العمر ، فما شاء الله ، وأما ما ذكرت من أمر القصر فلا تشقوا على أنفسكم ، إن جاءكم أمر في عافية فلله الحمد ، وإن كانت بلية فلا تعدلوا بالسلامة ، فإنه من ترك من أمره ما لا ينبغي أحق بالجزع منكم ، إنا قد أيقنا أن الناس لا يذهبون بحقوق الناس ، والله معط كل ذي حق حقه ، وسعي الناس لهم وعليهم ، والجزاء غدا ، فإن استطعتم أن لا تلقوا الله بمظالم فأما ما ظلمتم فلا تخافوا الغلبة فإن الله تعالى لا يعجزه شيء ، فمن علم أن الأمور هكذا فليكبر على نفسه وليقض ما عليها ، فإن غدا أشده وأضره ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، وأما من بقي من بقية الجيران فأقرهم السلام فقد طال العهد .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي ، حدثني أبي ، ثنا يحيى بن آدم ، قال : سمعت شريكا ، يقول : سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية فبكى ، فندمت على سؤالي إياه فرفع رأسه ، فقال : إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه ، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره .

حدثنا أبي ، ثنا محمد بن أحمد بن أبي يحيى الزهري ، ثنا أبو سيار محمد بن عبد الله ، ثنا موسى بن أيوب ، ثنا علي بن بكار ، عن إبراهيم بن أدهم ، قال : الفقر مخزون عند الله في السماء بعدل الشهادة لا يعطيه إلا من أحب .

حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين المعافري ، ثنا أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب التاجر ، ثنا أبو ياسر عمار بن عبد المجيد ، ثنا أحمد بن عبد الله الجوباري ، قال : سمعت حاتما الأصم ، يقول : قال شقيق بن إبراهيم : مر إبراهيم بن أدهم في أسواق البصرة فاجتمع الناس إليه ، فقالوا له : يا أبا إسحاق إن الله تعالى يقول في كتابه : ( ادعوني أستجب لكم ) ، ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا ، قال : فقال إبراهيم : يا أهل البصرة ماتت قلوبكم في عشرة أشياء ، أولها : عرفتم [ ص: 16 ] الله ولم تؤدوا حقه ، والثاني : قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به ، والثالث : ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته ، والرابع : ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه ، والخامس : قلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها ، والسادس : قلتم نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها ، والسابع : قلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له ، والثامن : اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم ، والتاسع : أكلتم نعمة ربكم ولم تشكروها ، والعاشر : دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم .

أخبرني جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه عمر بن أحمد بن شاهين ، ثنا أحمد بن نصر ، حدثني إبراهيم بن بشار ، قال : سمعت إبراهيم بن أدهم ، يقول : أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان ، ومن وفى العمل وفي الأجر ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة بلا قليل ولا كثير .

أخبرني جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن الفضل بن إسحاق بن خزيمة ، ثنا إبراهيم بن نصر ، ثنا إبراهيم بن بشار ، قال : سمعت إبراهيم بن أدهم ، يقول : لا يقل مع الحق فريد ، ولا يقوى مع الباطل عديد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث