الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

435- بشر بن الحارث

ومنهم من حباه الحق بجزيل الفواتح ، وحماه عن وبيل الفوادح ، أبو نصر بشر بن الحارث الحافي ، المكتفي بكفاية الكافي ، اكتفى فاشتفى .

وقيل : إن التصوف الاكتفاء للاعتلاء ، والاشتفاء من الابتلاء .

سمعت عبد الله بن محمد بن جعفر يقول : سمعت عبد الله بن محمد يقول : سمعت محمد بن داود الدينوري يقول : سمعت محمد بن الصلت يقول : سمعت بشر بن الحارث - وسئل ما كان بدء أمرك لأن اسمك بين الناس كأنه اسم نبي - قال : " هذا من فضل الله ، وما أقول لكم كنت رجلا عيارا صاحب عصبة ، فجزت يوما فإذا أنا بقرطاس في الطريق ، فرفعته فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم . فمسحته وجعلته في جيبي ، وكان عندي درهمان ما كنت أملك غيرهما ، فذهبت إلى العطارين فاشتريت بهما غالية ، ومسحته في القرطاس ، فنمت تلك الليلة ، فرأيت في المنام كأن قائلا يقول لي : يا بشر بن الحارث ، رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته ، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة . ثم كان ما كان " .

حدثنا محمد بن علي ، ثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ، قال : سمعت أحمد بن محمد بن البراء يقول : سمعت سفيان بن محمد المصيصي يقول : رأيت بشر بن الحارث في النوم ، فقلت : ما فعل الله تعالى بك ؟ قال : " غفر لي وأباح لي نصف الجنة ، وقال لي : يا بشر ، لو سجدت على الجمر ما أديت شكر ما جعلت لك في قلوب عبادي " .

حدثنا الشيخ الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله ، قال : أنبأنا الحسين بن [ ص: 337 ] محمد بن العباس الزجاجي الفقيه ، ثنا محمد بن جعفر الفرائضي ، ثنا أبو بكر بن النضر ، ثنا عبيد الوراق ، قال : سمعت بشرا الحافي يقول : " أدوا زكاة الحديث ، فاستعملوا من كل مائتي حديث خمسة أحاديث " .

حدثنا محمد بن عمر بن سلم ، حدثني أحمد بن الحسن بن راشد ، ثنا محمد بن قدامة ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : سمعت عبد الله بن داود يقول : سمعت سفيان يقول : " إنما فضل العلم على غيره ليتقى به " .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سمعت موسى الطوسي يقول : سمعت علي بن خشرم يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : أدخل أحمد بن حنبل الكير فخرج ذهبا أحمر وآل علي ، فبلغ ذلك أحمد فقال : " الحمد لله الذي أرضى بشرا بما صنعنا " .

حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا يحيى بن عثمان الحربي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " لا ينبغي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من يصبر على الأذى " .

حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا يحيى بن عثمان الحربي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " ينبغي لهؤلاء القوم الذين يعتكفون على هذا المسكر أن لا تقبل لهم شهادة " .

حدثنا أبي ، ثنا أحمد بن محمد بن عمر ، ثنا عبد الله بن محمد ، حدثني إبراهيم بن يعقوب ، قال : قال بشر بن الحارث : " لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوا الله " .

حدثنا أبي ، ثنا أحمد ، ثنا عبد الله ، حدثني إبراهيم بن يعقوب ، قال : قال بشر بن الحارث " من سأل الله تعالى الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف " .

حدثنا أبي ، ثنا أحمد ، ثنا عبد الله ، ثنا محمد بن يوسف ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول - وقيل له : مات فلان - قال : " وجمع الدنيا وذهب إلى الآخرة ، ضيع نفسه ، قيل له : إنه كان يفعل ويفعل ، وذكر أبوابا من أبواب البر ، فقال : ما ينفع هذا وهو يجمع الدنيا " .

حدثنا علي بن هارون ، ثنا موسى بن هارون القطان ، ثنا الحسن بن سعيد ، [ ص: 338 ] قال : كنا يوما عند بشر بن الحارث ، فجاء رجل من خراسان فبرك قدامه ، فقال له : يا أبا نصر ، إنا وفد خراسان ، حدثني بخمسة أحاديث أذكرك بها بخراسان ، فلم يزل يتذلل له ، وبشر يقول له : المحدثون كثير ، فلم يزل يداريه ويجتهد به ، فلما رأى أنه لا ينفعه شيء قال له : يا أبا نصر ، أليس تروي عن عيسى عليه السلام أنه قال : من علم وعمل وعلم فذلك الذي يدعى عظيما في ملكوت السماء ؟ قال له : كيف قلت ؟ أعد علي ، فأعاد عليه القول : من علم وعمل وعلم فذلك الذي يدعى عظيما في ملكوت السماء ، قال له : صدقت قد علمنا حتى نعمل ثم نعلم " .

حدثنا محمد بن عمر بن سلم ، ثنا أيوب ، حدثني السري ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " عز المؤمن استغناؤه عن الناس ، وشرفه قيامه بالليل " .

حدثنا محمد بن عمر بن سلم ، ثنا أبو العباس أحمد بن محمد الخزاعي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : سمعت المعافى بن عمران يقول : سمعت الثوري يقول : " إرضاء الخلق غاية لا تدرك " .

حدثنا محمد بن عمر ، ثنا أحمد ، قال : سمعت بشرا يقول : سمعت المعافى يقول : سمعت الثوري يقول : " ما ضرهم ما أصابهم في دنياهم ، جبر الله لهم كل مصيبة بالجنة " .

حدثنا محمد بن إبراهيم بن محمد الفروي ، ومحمد بن عمر بن سلم ، قالا : ثنا إبراهيم بن عبد الله بن أيوب ، حدثني سري السقطي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " ما أنا بشيء من عملي أوثق به مني بحبي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " .

وسمعت عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي يقول : سمعت علي بن الحسين القاضي يقول : سمعت عبيد بن محمد الوراق يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : " أوثق عملي في نفسي حب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " .

حدثنا أبي ، ثنا أبو الحسن بن أبان ، حدثني أبو بكر بن عبيد ، حدثني حسين بن عبد الرحمن ، قال : قال بشر بن الحارث " من هوان الدنيا على الله عز وجل أن جعل بيته وعرا " .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني الحسن ابن بنت عاصم الطبيب ، قال: لقيت بشر بن الحارث ، فجعل يسألني عن شيء من [ ص: 339 ] العلاج ، فقلت له : يا أبا نصر ، الشمس - وأشرت إلى شيء من الفيء - وكان ذلك في دار ربيعة أو دار عمران الأشعث أو غيره ، إلا أنه رجل كان يكون مع السلاطين ، فقال لي : " هذا من سوء وفيء رديء " أو كما قال .

حدثنا أبو المظفر منصور بن أحمد المعدل ثنا عثمان بن أحمد بن السماك ، ثنا الحسن بن عمرو ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد ، ثم قال : ذاك يركب ويرجع ويراه الناس ، وهذا يعطي سرا لا يراه إلا الله عز وجل " .

حدثنا منصور بن أحمد ، ثنا عثمان بن أحمد ، ثنا الحسن بن عمرو ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : قال سفيان بن عيينة : " ليس العاقل الذي يعرف الخير والشر ، إنما العاقل الذي إذا رأى الخير اتبعه ، وإذا رأى الشر اجتنبه " .

حدثنا منصور بن أحمد ، ثنا عثمان بن أحمد ، ثنا الحسن بن عمرو ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : قال رجل لمالك بن دينار : يا مرائي ، قال : متى عرفت اسمي ؟ ما عرف اسمي غيرك " .

حدثنا محمد بن عمر بن مسلم ، ثنا أحمد بن محمد الخزاعي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : سمعت المعافى يقول : سمعت سفيان الثوري يقول : " لقد أدركنا أقواما هم اليوم أبقى لمروءاتهم من قراء هذا الزمان " .

حدثنا محمد بن عمر ، ثنا أحمد بن محمد ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : سمعت المعافى يقول : سمعت الثوري يقول : " لأن أصحب شاطرا في سفر أحب إلي من أن أصحب قارئا " .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا أحمد بن شعيب بن عبد الأكرم الأنطاكي ، ثنا محمد بن أبي يعقوب الدينوري ، ثنا عباس بن عبد العظيم ، قال : قال بشر بن الحارث يوما : " حدثني عيسى بن يونس ، ثم قال : أستغفر الله ، بلغني أن حدثنا فلان عن فلان باب من أبواب الدنيا " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا محمد بن يحيى ، حدثني سليمان بن يعقوب ، قال : قلت لبشر بن الحارث : عظني ، قال : " انظر خبزك من أين هو ، ولا تعرض للنار " .

[ ص: 340 ] حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أحمد بن محمد بن غزوان الهرائي ، قال : قال لي بشر بن الحارث سنة خمس وعشرين ومائتين : " عليكم بالرفق والاقتصاد في النفقة ، فلأن تبيتوا جياعا ولكم مال أحب إلي من أن تبيتوا شباعا وليس لكم مال " .

وقال لي بشر : " بلغني أنك لا تلزم السوق ، فالزم " . فلما قمت أنصرف أعاد علي : " الزم السوق وإن له في قلبي " ، إنما أراد وإن لم يربح .

حدثنا مخلد بن جعفر وأبو محمد بن حيان ، قالا : ثنا أحمد بن محمد بن غزوان ، قال : " بكرت أنا وأخي في غداة باردة جدا إلى بشر ، فألفيناه على بابه معه خليل الخياط ، ثم قام يمشي أمامنا وعليه فرو خلق ، وخف قصير فوق عقبه ، فقام ليخرج إلى السوق وعليه إزار لطيف جدا ، فما مر بواحد أو أكثر إلا رفع صوته وقال : السلام عليكم ، فلما خرج إلى السوق وقف على رجل دقاق ، فسأله عن سعر الدقيق بالأمس ، فقال : ناقص ، فأبشر يا أبا نصر ، فحمد الله وأخذ " .

ومما سمعت من كلامه أن بشرا أرجف الناس بموته بباب الطاق ، في يوم مطير ، فجئت في المطر والطين حتى بلغت بابه ، فإذا على بابه ثلاثة نفر ، شيخ منهم يقول : إنما جئنا نعودك يا أبا نصر ، فقال لهم وهو يبكي : لا حاجة لي في عيادتكم ، اذهبوا عني فقد آذيتموني ، وهو يبكي ، وقال : قال فضيل : أشتهي أن أمرض بلا عواد " .

حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ، ثنا محمد بن عمر ، ثنا القاسم بن منبه ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " سله يهنك عيشك " .

حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان ، ثنا محمد بن مخلد ، ثنا محمد بن يوسف الجوهري ، قال : سألت بشر بن الحارث عن النبيذ ، فقال : " قد ضاق علي الماء ، فكيف أتكلم في النبيذ ؟! " .

حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ، ثنا عبد الرحمن بن داود ، ثنا الفضل بن العباس الحلبي ، قال : سمعت أبا نصر بشر بن الحارث - وذكر العلم وطلبه فقال - : " إذا لم يعمل به فتركه أفضل ، والعلم هو العمل فإذا أطعت الله علمك ، وإذا [ ص: 341 ] عصيته لم يعلمك ، والعلم أداة الأنبياء إلى احتجاجهم . فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أدى إلى أصحابه ، فتمسكوا به وحفظوه وعملوا به ، ثم أدوه إلى قوم ، فذكر من فضلهم ، وأدوا أولئك إلى قوم آخرين ، فذكر الطبقات الثلاث ثم قال أبو نصر : وقد صار العلم إلى قوم يأكلون به " .

حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا جعفر الفريابي ، ثنا محمد بن قدامة ، ثنا بشر بن الحارث ، قال : قال لي عيسى بن يونس حين أردت أن أفارقه : " أوتحمل هذا العلم إلى تلك البلدة السوء " .

حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا جعفر الفريابي ، ثنا محمد بن قدامة ، ثنا بشر بن الحارث ، قال : سمعت عيسى بن يونس يقول عن الأوزاعي ، قال أبو الدرداء : " اللهم لا تلعني في قلوب العلماء ، قالوا : كيف نلعنك ؟ قال : تكرهوني " .

حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ، ثنا أبو مقاتل محمد بن شجاع ، ثنا القاسم بن منبه ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " لا تطلب علما تهينه للناس ، هذا هو الداء الأكبر " .

قال : وسمعت بشرا يقول : " ما خلف رجل في بيته أفضل أو خيرا من ركعتين يصليهما " .

حدثنا محمد بن الفتح ، ثنا أحمد بن محمد الصيدلاني ، قال : سمعت أبا جعفر المغازلي يقول : قال بشر بن الحارث : قال الفضيل بن عياض : " لا تكمل مروءة الرجل حتى يسلم منه عدوه ، كيف والآن لا يسلم منه صديقه " .

حدثنا أبو الحسن بن مقسم ، ثنا عثمان بن أحمد الدقاق ، ثنا الحسن بن عمرو السبيعي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " الصبر هو الصمت ، والصمت من الصبر ، ولا يكون المتكلم أورع من الصامت ، إلا رجل عالم يتكلم في موضعه ويسكت في موضعه " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يحيى ، حدثني أبو عبد الله بن الحسن السكري البغدادي قال : سمعت علي بن خشرم يقول : " كتب إلي بشر بن الحارث أبو نصر : إلى أبي الحسن علي بن خشرم : السلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإني أسأل الله أن يتم ما بنا وبكم [ ص: 342 ] من نعمة ، وأن يرزقنا وإياكم الشكر على إحسانه ، وأن يميتنا ويحيينا وإياكم على الإسلام ، وأن يسلم لنا ولكم خلفا من تلف ، وعوضا من كل رزية ، أوصيك بتقوى الله يا علي ، ولزوم أمره والتمسك بكتابه ، ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان وسهلوا لنا السبل ، فاجعلهم نصب عينيك ، وأكثر عرض حالاتهم عليك تأنس بهم في الخلاء ، ويغنوك عن مشاهدة الملأ ، فمثل حالهم كأنك تشاهدهم ، فمجالسة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أوفق من مجالسة الموتى ، ومن يرقب منك زلتك وسقطتك إن قدر عليها ، فإن لم يقدر عليها جعل جليسا إن رآه عندك عيبك فرماك بما لم يره الله منك ، واعلم - علمك الله الخير وجعلك من أهله - أن أكثر عمرك فيما أرى قد انقضى ، ومن يرضى حاله قد مضى ، وأنت لاحق بهم ، وأنت مطلوب ولا تعجز طالبك ، وأنت أسير في يديه ، وكل الخلق في كبريائه صغير ، وكلهم إليه فقير ، فلا يشغلنك كثرة من يحبك ، وتضرع إليه تضرع ذليل إلى عزيز ، وفقير إلى غني ، وأسير لا يجد ملجأ ولا مفرا يفر إليه عنا ، وخائف مما قدمت يداه ، غير واثق على ما يقدم ، لا يقطع الرجاء ، ولا يدع الدعاء ، ولا يأمن من الفتن والبلاء ، فلعله إن رآك كذلك عطف عليك بفضله ، وأمدك بمعونته ، وبلغ بك ما تأمله من عفوه ورحمته ، فافزع إليه في نوائبك ، واستعنه على ما ضعفت عنه قوتك ، فإنك إذا فعلت ذلك قربك بخضوعك له ، ووجدته أسرع إليك من أبويك ، وأقرب إليك من نفسك . وبالله التوفيق ، وإياه أسأل خير المواهب لنا ولك ، واعلم يا علي أنه من ابتلي بالشهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليلة ، فجبرها الله لنا ولك بالخضوع والاستكانة والذل لعظمته ، وكفانا وإياك فتنتها وشر عاقبتها ، فإنه تولى ذلك من أوليائه ومن أراد توفيقه ، وارجع إلى أقرب الأمرين بك ، إلى إرضاء ربك ، ولا ترجعن بقلبك إلى محمدة أهل زمانك ولا ذمهم ، فإن من كان يتقى ذلك منه قد مات ، وإنارة إحياء القلوب من صالح أهل زمانك ، وإنما أنت في محل موتى ومقابر أحياء ماتوا عن الآخرة ، ودرست عن طرقها آثارهم ، هؤلاء أهل زمانك ، فتوار مما لا يستضاء فيها بنور الله ، ولا يستعمل فيها [ ص: 343 ] كتابه إلا من عصم الله ، ولا تبال من تركك منهم ، ولا تأس على فقدهم ، واعلم أن حظك في بعدهم أوفر من حظك في قربهم ، وحسبك الله فاتخذه أنيسا ، ففيه الخلف منهم ، فاحذر أهل زمانك ، وما العيش مع من يظن به في زمانك الخير ، ولا مع من يسيء به الظن خير ، وما ينبغي أن يكون طلعة أبغض إلى عاقل تهمه نفسه من طلعة إنسان في زمانك ; لأنك منه على شرف فتنة إن جالسته ، ولا تأمن البلاء إن جانبته ، وللموت في العزلة خير من الحياة ، وإن ظن رجل أن ينجو من الشر يأمن خوف فتنة فلا نجاة له ، إن أمكنتهم من نفسك آثموك ، وإن جانبتهم أشركوك ، فاختر لنفسك ، واكره لها ملابستهم ، وأرى أن الفضل اليوم ما هو إلا في العزلة ; لأن السلامة فيها وكفى بالسلامة فضلا ، اجعل أذنك عما يؤثمك صماء ، وعينك عنه عمياء ، احذر سوء الظن ، فقد حذرك الله تعالى ذلك ، وذلك قوله تعالى: ( إن بعض الظن إثم ) والسلام " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا محمد بن يحيى ، حدثني إبراهيم بن براد ، قال بشر بن الحارث : " حب لقاء الناس حب الدنيا ، وترك لقاء الناس ترك الدنيا " .

حدثنا أبي ، ثنا أبو الحسن بن أبان ، ثنا أبو بكر بن عبيد ، حدثني الحسين بن عبد الرحمن ، قال : قال بشر بن الحارث : " لا أعلم رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح " .

وقال بشر : " لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس " .

حدثنا أبي ، ثنا أبو الحسن ، ثنا أبو بكر أحمد بن الفتح ، قال: سمعت بشر بن الحارث ، يقول : سمعت يحيى القطان يقول : سمعت سفيان الثوري ، يقول : إن أقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة ، قال: وسمعت بشر بن الحارث ، يقول : سمعت خالدا الطحان وهو يذكر : إياكم وسرائر الشرك ، قلت : وكيف سرائر الشرك ؟ قال : أن يصلي أحدكم فيطول في ركوعه وسجوده حتى يلحقه الحدو .

حدثنا أبو الحسن بن علان الوراق ، ثنا أبو القاسم بن منيع ، حدثني محمد بن هارون أبو جعفر ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " إذا كان لك صديق فلا تدل عليه الفقراء لا يكسرونه عليك " .

قال : وسمعت بشرا يقول : عن يحيى بن يمان ، [ ص: 344 ] عن سفيان ، قال : " ما شبهت القارئ إلا بالدرهم الزيف إذا كسرته خرج ما فيه " .

وقال سفيان : " إذا كانت لك حاجة إلى قارئ فاضربه بعصا " .

سمعت علي بن محمد بن حبيش يقول : سمعت أحمد بن المغلس الحماني يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : " سكون النفس إلى المدح ، وقبول المدح لها أشد عليها من المعاصي " .

حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، قال : سمعت عثمان بن أحمد يقول : سمعت الحسن بن عمران المروزي يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول :


ذهب الرجال المرتجى لفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر     وبقيت في خلف يزين بعضهم
بعضا ليدفع معور عن معور



حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم قال : سمعت أبا الفضل الصيدلي يقول : سمعت محمد بن المثنى يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول - وقد سئل عن من يغتاب الناس يكون عدلا ؟ - قال : " لا ، إذا كان مشهورا بذلك فهو الوضيع " .

قال : وسمعت بشرا يقول : " إذا قل عمل العبد ابتلي بالهم " .

حدثنا أبو بكر محمد بن الفضل بن قديد ، ثنا أحمد بن الصلت ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " من أراد أن يكون عزيزا في الدنيا سليما في الآخرة ، فلا يحد ، ولا يشهد ، ولا يؤم قوما ، ولا يأكل لأحد طعاما " .

حدثنا محمد بن إبراهيم بن علي ، ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول مثله ، وزاد ولا يقبل لأحد هدية .

حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : " رأيت بشر بن الحارث منصرفا من جنازة مر علينا ، فقمت لأنظر إليه ، فرأيت عليه ثيابا متواضعة ، أظن كان عليه فرو ، وإذا رجل مهيب طويل الشعر أبيض الرأس واللحية ، وفي رأسه ولحيته شيء من سواد ، أحسب البياض أكثر من السواد ، لا يخضب بشيء ، أحسب عليه أزير إلى هاهنا قصير " .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبو عبد الله السلمي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : قال إبراهيم بن أدهم : " إنما اخترت الشام لأشبع من الخبز " .

[ ص: 345 ] حدثنا أحمد بن جعفر بن سلمة ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا يحيى بن عثمان ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " وددت أن رءوسهم خضبت بدمائهم وأنهم لم يجيبوا " .

حدثنا محمد بن عمر بن سلم ، ثنا أحمد بن محمد الخزاعي ، سمعت بشر بن الحارث يقول : سمعت المعافى بن عمران يقول : قال رجل لمحمد بن النضر الحارثي : أين أعبد الله ؟ قال : " أصلح سريرتك واعبده حيث شئت " .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبو عبد الله السلمي ، قال : سمعت بشرا يقول - وحدثه رجل عن رؤيا رآها في المنام - فقال بشر : " هذا حديث الليل " .

حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا أيوب الحربي ، عن بشر بن الحارث ، قال : سأل رجل ابن المبارك ، فقال : إن أمي لم تزل تقول : تزوج ، حتى تزوجت ، فالآن قالت لي : طلقها ، فقال : " إن كنت عملت عمل البر كله وبقي هذا عليك فطلقها ، وإن كنت تطلقها وتأخذ إلى مشاغبة أمك فتضربها فلا تطلقها " .

حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا عبد الصمد ، ثنا بشر بن الحارث ، قال : " خرج علينا أبو بكر بن عياش مرة ، فقال : هاهنا من البهاتين المنانين أحد ؟ قال عبد الصمد : قال بشر : ولم يدر أني فيهم أو منهم " .

أنشدنا محمد بن إبراهيم ، قال : أنشدنا عبد الله بن محمد بن علي قاضي المدينة ، قال : أنشدني محمد بن سهم قال : قال أهل الحديث لبشر بن الحارث : حدثنا ، فأنشأ يقول :


صار أهل الحديث فيهم حديثا     أن شين الحديث أهل الحديث



قال : وأنشدني بشر :


وليس من يروق لي دينه     يغرني يا صاح تبريقه
من حقق الإيمان في قلبه     يوشك أن يظهر تحقيقه



حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن مقسم ، ثنا عيسى بن عبد الله بن أحمد الساجي ، حدثني أبي قال : سمعت بشر بن الحارث ، ينشد :

[ ص: 346 ]

أقسم بالله لرضخ النوى     وشرب ماء القلب المالحة
أعز للإنسان من حرصه     ومن سؤال الأوجه الكالحة
فاستغن باليأس تكن ذا غنى     مغتبطا بالصفقة الرابحة
اليأس عز والتقى سؤدد     ورغبة النفس لها فاضحة
من كانت الدنيا به برة     فإنها يوما له ذابحة



حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ، ثنا محمد بن شجاع ، ثنا القاسم بن منبه ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " ولا تعط شيئا مخافة ملامة الناس " .

حدثنا محمد بن علي بن حبيش ، ثنا الهيثم بن خلف ، ثنا يحيى بن عثمان الحربي ، قال : قال بشر بن الحارث : " يا أبا زكريا ، من جلس والأقداح تدور لا تقبل شهادته " .

حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن حسان ، ثنا أبو الربيع ، قال : سمعت بشرا يقول : " اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك " .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا محمد بن إسحاق ، قال : سمعت أحمد بن الفتح يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : " من أراد أن يلقن الحكمة فلا يعص الله " .

حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا محمد بن يوسف الجوهري ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول في جنازة أخته : " إن العبد إذا قصر في طاعة سلبه من يؤنبه " .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا أبو العباس السراج ، قال : سمعت الحسين بن محمد البغدادي يقول : سمعت أبي يقول : زرت بشر بن الحارث ، فقعدت معه مليا ، فما زادني على كلمة ، قال : " ما اتقى الله من أحب الشهرة " .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا محمد بن إسحاق ، قال : سمعت عبيد بن محمد يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : لقي حكيم حكيما ، فقال أحدهما لصاحبه : " لا يراك الله عند ما نهاك ، ولا يفقدك عند ما أمرك " .

حدثنا أبو الحسن بن مقسم ، حدثني أبو الفضل السرحي ، قال : سمعت سعد بن عثمان يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : " لا تعمل لتذكر ، ورد لله ما يريد " .

[ ص: 347 ] حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا أبو العباس الثقفي ، قال : سمعت أحمد بن الفتح يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : " إذا أعجبك الكلام فاصمت ، وإذا أعجبك الصمت فتكلم " .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبو العباس السلمي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " إذا اهتممت لغلاء السعر فاذكر الموت ، فإنه يذهب عنك هم الغلاء " .

قال : وسمعت بشر بن الحارث يقول : " إذا ذكرت الموت ذهب عنك صفوة الدنيا وشهواتها ، وذهبت عنك شهوة الجماع عند ذكر الموت " .

قال : " ورأيت قدمي بشر - أي أسفل قدميه - قد اسودا من أثر التراب مما يمشي حافيا " .

حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن ، ثنا محمد بن مخلد ، ثنا أحمد بن الفتح ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " إنما أنت متلذذ تسمع وتملي ، إنما يراد من العلم العمل ، استمع وتعلم واعمل وعلم واهرب ، ألم تر إلى سفيان الثوري كيف طلب العلم فعلم وعمل وعلم وهرب ؟ وطلب العلم إنما يدل على الهرب من الدنيا ليس على حبها " .

حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان ، ثنا موسى بن عبيد الله ، ثنا القاسم بن منبه الحربي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " إن لم تعمل فلا تعص " .

حدثنا محمد بن أحمد البغدادي ، ثنا محمد بن عبد الله ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " من عامل الله بالصدق استوحش من الناس " .

حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن حسان ، ثنا أبو الربيع ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك " .

حدثنا عمر بن أحمد بن جبير الصوفي - بالبصرة - قال : سمعت أبا أحمد بن كثير يقول : سمعت إبراهيم الحربي يقول : " حملني أبي إلى بشر بن الحارث فقال : يا أبا نصر ، ابني هذا مشتهر بكتابة الحديث والعلم ، فقال لي : " يا بني ، هذا العلم ينبغي أن يعمل به ، فإن لم يعمل به كله فمن كل مائتين خمسة ، مثل زكاة الدراهم . وقال له أبي : أبا نصر ، تدعو له ؟ فقال : دعاؤك له أبلغ ، دعاء الوالد لولده كدعاء النبي [ ص: 348 ] لأمته . قال إبراهيم : فاستحليت كلامه فاستحسنته ، فإذا أنا مار إلى صلاة الجمعة ، فإذا بشر يصلي في قبة الشعر ، فقمت وراءه أركع إلى أن يؤذن بالأذان ، فقام رجل رث الحال والهيئة فقال : يا قوم احذروا أن أكون صادقا ، وليس مع الاضطرار اختيار ، ولا يسع السكوت عند العدم ، ولا السؤال مع الوجود ، ولا فاقة رحمكم الله . قال : فرأيت بشرا أعطاه قطعة دانق ، قال إبراهيم : فقمت إليه فأعطيته درهما فقلت : أعطني القطعة ، قال : لا أفعل فقلت : هذان درهمان - قال : وكان معي عشرة دراهم صحاح - قلت : هذه عشرة دراهم ، فقال لي : يا هذا ، وأي شيء رغبتك في دانق تبذل فيه عشرة صحاحا ؟ قال : قلت : هذا رجل صالح . قال : فقال لي : فأنا في معروف هذا أرغب ، ولست أستبدل بالنعم نقما ، وإلى أن آكل هذه فرج عاجل أو منية قاضية . قال إبراهيم : فقلت : انظروا معروف من آخذ ؟ فقلت : يا شيخ دعوة ، فقال لي : أحيا الله قلبك ولا أماته حتى يميت جسمك ، وجعلك ممن يشتري نفسه بكل شيء ولا يبيعها بشيء " .

حدثنا الحسن بن علان الوراق ، ثنا عبد الله بن محمد المسمعي ، حدثني محمد بن هارون أبو جعفر ، قال : لقيني بشر بن الحارث ، فقال : " إن استطعت أن تكون في موضع يحسبون أنك لص فافعل ، وإن استطعت أن تزيد ولا تنقص " .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا أبو العباس الثقفي ، ثنا محمد بن المثنى ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " ليس أحد يحب الدنيا إلا لم يحب الموت ، وليس أحد يزهد في الدنيا إلا أحب الموت حتى يلقى مولاه " .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن المثنى ، قال سمعت بشر بن الحارث يقول : " العجب أن تستكثر عملك وتستقل عمل الناس أو عمل غيرك " .

حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ، قال : سمعت أبا بكر الباقلاني يقول : سمعت أبي يقول : سمعت بشر بن الحارث ، ونحن معه بباب حرب ، وأراد الدخول إلى المقبرة ، فقال : " الموتى داخل السور أكثر منهم خارج السور " .

[ ص: 349 ] حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك ، ثنا محمد بن المثنى ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " لا ينبغي لأحد أن يذكر شيئا من الحديث في موضع حاجة يكون له من حوائج الدنيا ، يريد أن يتقرب به ، ولا يذكر العلم في موضع ذكر الدنيا ، وقد رأيت مشايخ طلبوا العلم للدنيا فافتضحوا ، وآخرين طلبوه فوضعوه مواضعه وعملوا به وقاموا به ، فأولئك سلموا ، فنفعهم الله تعالى ، وإذا أنت سمعت الشيء من معدن وأخذت به ، ثم سمعت غيرك يقول بخلافه - فلا تماره ; فإنك لا تنتفع بذلك ، واعمل به لنفسك ، وقد رأيت أقواما سمعوا من العلم اليسير فعملوا به ، وآخرين سمعوا الكثير ، فلم ينفعهم الله به ، فكيف ؟ واعلموا أنه يمنع الرزق طلب هذا الحديث " .

وسمعت حفص بن غياث يقول : " كنا نستغني بمجلس سفيان عن الدنيا " .

قال : وسمعت حفص بن غياث يقول : " كان الفقراء في مجلس سفيان هم الأمراء " .

قال بشر : وكان سفيان يقول : " من كان عنده شيء من معاش فليتمسك به ; فإنه سيأتي على الناس زمان أول ما يلقى الرجل يلقاه بدينه " .

حدثنا محمد بن الفتح ، ثنا أحمد بن محمد الصيدلاني ، قال : سمعت أبا جعفر المغازلي يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : " لا تسأل عن مسائل تعرف بها عيوب الناس ، لا تقع في ألسنة الناس ، إذا سألت عن مسألة فاعمل ، فإن لم تطق فاستعن بالله " .

حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ، ثنا محمد بن إسحاق أمام سلامة ، حدثني أبي قال : قلت لبشر بن الحارث : " إني أحب أن أسلك طريق إبراهيم بن أدهم ، قال : " لا تقوى ، قلت : ولم ذاك ؟ قال : لأن إبراهيم عمل ولم يقل ، وأنت قلت ولم تعمل " .

حدثنا محمد بن الفتح ، ثنا أحمد بن محمد الصيدلاني ، حدثني عبد الله بن عبد الوهاب العسقلاني ، ثنا إبراهيم بن عبد الله ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " من حرم المعرفة لم يجد للطاعة حلاوة ، ومن لا يعرف ثواب الأعمال ، ثقلت عليه في جميع الأحوال ، ومن زهد في الدنيا على حقيقة ، كانت مؤنته [ ص: 350 ] خفيفة ، ومن وهب له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات ، والمؤمن إذا عاش حزينا ولم يرد القيمة أفضل من الراضين عن الله " .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا هارون بن يوسف بن زياد ، ثنا محمد بن محمد بن أبي الورد ، ثنا حسن الأنماطي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " النظر إلى من يكره حمى باطنة " .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا هارون بن يوسف ، حدثني محمد بن محمد بن أبي الورد ، حدثني حسن الأنماطي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " بقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين " .

حدثنا منصور بن محمد المعدل ، ثنا عثمان بن أحمد ، ثنا الحسن بن عمر المروزي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " النظر إلى الأحمق سخنة عين ، والنظر إلى البخيل يقسي القلب ، ومن لم يحتمل الغم والأذى لم يقدر أن يدخل فيما يحب " .

حدثنا نصر بن أبي نصر الصوفي الطوسي ، ثنا محمد بن عمرو ، ثنا القاسم بن منبه ، قال : سمعت بشرا يقول : " ما أجفى صاحب الدنيا وأصفق وجهه . وقال : إن لم تعمل فلا تعص " .

وقال : " خصلتان تقسيان القلب : كثرة الكلام ، وكثرة الأكل " .

حدثنا محمد بن حميد ، ثنا أحمد بن القاسم بن هاشم السمسار ، ثنا محمد بن المثنى ، قال : قال لي بشر بن الحارث : " صاحب ربع سخي أحب إلي من قارئ بخيل أو قال : ما أعلم أحدا من الناس إلا مبتلى ، رجل بسط الله تعالى له في رزقه ، فينظر كيف شكره ، ورجل قبض الله عز وجل عنه رزقه ، فينظر كيف صبره " .

حدثنا محمد بن الفتح ، ثنا عبد الله بن أبي داود ، ثنا علي بن خشرم ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول :


خلت الديار فسدت غير مسود     ومن الشقاء تفردي بالسؤدد



قال علي بن خشرم : وسمعت ابن عيينة يقوله والناس حوله .

حدثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن يوسف الجرجاني قال : سمعت أبا العباس [ ص: 351 ] بن عبد الله البغدادي يقول : سمعت جعفرا البرداني يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : قال موسى عليه السلام : " يا رب ، فقال الله تعالى له : لبيك يا موسى ، قال : إني جائع فأطعمني ، قال : حتى أشاء " .

قال : وسمعت بشرا يقول : " إن عوج بن عنق كان يأتي البحر فيخوضه برجله أو ما شاء الله به فيحتطب الساج ، وكان أول من دل عليه وجلبه ، وكان يأتي به الأيلة ، ويأخذ من حيتان البحر حوتا بيده ، فيشويها في عين الشمس ، ثم يأتي بها مشوية ، فكان التجار يعدون له الدقيق كريرا في كل يوم يختبز منه ملتين ، ويأكل ذلك أجمع ، ويدفع إليهم الحزمة من حطب الساج ، فهذا كافر يطعمه في كل يوم كرينا من طعام وسمكة يعجز عنه كل دواب البحر ، فكيف يضيعك وأنت توحده وقوتك رغيف أو رغيفان ؟ يا ويحك ، تقطع بينك وبين ربك برغيف " .

قال : وسمعت بشرا يقول : " قال موسى عليه السلام : يا رب أرني وليا من أوليائك ، قال : اطلبه في خربة كذا وكذا ، قال : فطلبه فإذا فيها عظام رجل قد أكلته السباع ، فقال : يا رب ، ما أرى غير العظام ، قال هي عظام ولي ، قال : يا رب ، وأرسلت عليه السباع ؟ قال : نعم ، وعزتي ما أخرجته من الدنيا مع ذلك إلا جائعا ظمآن ، قال : ولم ذلك يا رب ؟ قال : لمنزلته عندي لو رأيتها لزهقت نفسك شوقا إليها ، إني لا أرضى الدنيا لولي من أوليائي " .

سمعت أبي يقول : سمعت أبا جعفر أحمد بن جعفر بن هانئ يقول : سمعت محمد بن يوسف يقول : قال المازني لبشر بن الحارث : أيش التوكل ؟ فقال له بشر : " اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب . فقال المازني : ليس نفقه هذا ، قال : نعم ليس هذا من أبزازكم ، قال : ففسره لنا حتى نفقهه ، قال : اضطراب بلا سكون : رجل يضطرب بجوارحه وقلبه ساكن إلى الله لا إلى عمله ، وسكون بلا اضطراب : فرجل ساكن إلى الله عز وجل بلا حركة ، وهذا عزيز ، وهو من صفات الأبدال " .

حدثنا أبو الحسن بن مقسم ، ثنا أبو الطيب الصفار ، ثنا محمد بن يوسف الجوهري ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : قال فضيل بن عياض لابنه علي عند ما يصيبه : " لعلك ترى أنك في شيء من الجوع أطوع لله منك " .

[ ص: 352 ] حدثنا محمد بن علي بن حبيش ، ثنا عبد الله بن إسحاق المدايني ، ثنا محمد بن حرب ، ثنا عبيد بن محمد ، حدثني عمار ، قال : رأيت الخضر عليه السلام ، فسألته عن بشر بن الحارث ، فقال : " مات يوم مات وما على ظهر الأرض أتقى لله منه " .

حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين ، ثنا أبو عبد الله الطيالسي بها ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، ثنا محمد بن علي الصوري - بصور - ثنا أبو نعيم ، قال : جاءني بشر بن الحارث ، فقال : حدثني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى عند لسان كل قائل " . فقلت : حدثنا عمر بن ذر ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عند لسان كل قائل " فقلت : ما بقي امرؤ علم ما تقول ؟ فقال : حسبك ورجع " .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا عبد الله بن أحمد بن سوادة ، ثنا أحمد بن الحجاج ، ثنا أبو جعفر البزاز ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " قل لمن طلب الدنيا : تهيأ للذل " .

أخبرني أبو عبد الله محمد بن حنيف الشيرازي الصوفي فيما كتب إلي ، حدثني أبو محمد عبد الله بن الفضل ، حدثني أبو عبد الله القاضي ، حدثني أبي قال : " كان عندنا ببغداد رجل من التجار صديقا لي ، وكان كثيرا ما أسمعه يقع في الصوفية ، قال : فرأيته بعد ذلك يصحبهم فأنفق عليهم جميع ما ملك ، قال : فقلت له : أليس كنت تبغضهم ؟ قال : فقال لي : ليس الأمر على ما توهمت ، قلت له : كيف ؟ قال : صليت الجمعة يوما وخرجت ، فرأيت بشر بن الحارث الحافي يخرج من المسجد مسرعا ، قال : فقلت في نفسي : انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد ليس يستقر في المسجد . قال : فتركت حاجتي فقلت : أنظر أين يذهب ، قال : فتبعته فرأيته تقدم إلى الخباز واشترى بدرهم خبزا ، قال : قلت : انظر إلى الرجل يشتري خبزا ، قال : فتقدم إلى الشواء ، فأعطاه درهما وأخذ الشواء ، قال : فزادني عليه غيظا ، قال : وتقدم إلى الحلاوي واشترى فالوذجا بدرهم ، فقلت في نفسي : والله لأنغصن عليه حين يجلس ويأكل ، قال : فخرج إلى الصحراء وأنا أقول : يريد الخضرة والماء . قال : فما زال يمشي إلى العصر وأنا خلفه ، قال : فدخل قرية وفي القرية مسجد ، وفيه [ ص: 353 ] رجل مريض ، قال : فجلس عند رأسه وجعل يلقمه ، قال : فقمت لأنظر إلى القرية ، قال : فبقيت ساعة ثم رجعت ، فقلت للعليل : أين بشر ؟ قال : ذهب إلى بغداد ، قال : فقلت : وكم بيني وبين بغداد ؟ فقال : أربعون فرسخا . فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أيش عملت بنفسي وليس عندي ما أكتري ولا أقدر على المشي ، قال : اجلس حتى يرجع ، قال : فجلست إلى الجمعة القابلة ، قال : فجاء بشر في ذلك الوقت ومعه شيء يأكله المريض ، فلما فرغ قال له العليل : يا أبا نصر ، هذا رجل صحبك من بغداد وبقي عندي منذ الجمعة ، فرده إلى موضعه ، قال : فنظر إلي كالمغضب وقال : لم صحبتني ؟ قال : فقلت : أخطأت . قال : قم فامش ، قال : فمشيت إلى قرب المغرب ، قال : فلما قربنا قال لي : أين محلتك من بغداد ؟ قلت : في موضع كذا ، قال : اذهب ولا تعد ، قال : فتبت إلى الله عز وجل وصحبتهم وأنا على ذلك " .

قال محمد بن حنيف : قال محمد بن الهيثم : كنت أدخل على أخت بشر في صغري ، فأعطتني يوما كبة من غزل ، فقالت : بع هذه الكبة واشتر خبزا وسمكا ، ففعلت ، فدخل بشر والخبز والسمك موضوع ، فقال بشر : ما هذا الطعام ؟ قالت : رأيت أمي وأمك في المنام فقالت : إن أردت فرحي وإدخالك السرور علي فبيعي من غزلك واشتري خبزا وسمكا ، فإن أخاك بشرا يشتهيها . قالت : فلما ذكرت أمي وأمه بكى وقال : رحمها الله ، تغتم لي حية وميتة ، فقال بشر : إني لأشتهيه منذ خمس وعشرين سنة ، ما كان الله عز وجل يراني أن أرجع في شيء تركته لله .

ثم قال : رأيت بشرا متغير اللون ، فقلت له : لماذا نشدتك بالله ؟ قال : " أنا منذ أربعين يوما آكل الطين في الصحراء ليس يصفو لي الأكل ببغداد ، فتغير علي بطني ولذلك أنا متغير " .

قال محمد بن حنيف : ولا يستكثر ذلك المقدار له ، وكان غزل أخته فيما ذكر أنها قصدت أحمد بن حنبل ، فقالت : إنا قوم نغزل بالليل ومعاشنا منه ، وربما يمر بنا مشاعل بني طاهر ولاة بغداد ونحن على السطح ، فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين ، أفتحله لنا أم تحرمه ؟ فقال لها : من أنت ؟ قالت : أخت بشر ، فقال : آه يا آل بشر ، لا عدمتكم ، لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم " .

[ ص: 354 ] حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ، ثنا عثمان بن أحمد الدقاق ، ثنا الحسن بن عمرو السبيعي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " لا تكون كاملا حتى يأمنك عدوك ، وكيف تكون خيرا وصديقك لا يأمنك " .

قال : وسمعت بشرا يقول : " بي داء ما لم أعالج نفسي لا أتفرغ لغيري ، فإذا عالجت نفسي تفرغت لغيري بموضع الداء وموضع الدواء إن أعانني منه بمعونة ، ثم قال : أنتم الداء ، أرى وجوه قوم لا يخافون الله ، متهاونين بأمر الآخرة " .

حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ، ثنا عثمان بن أحمد ، ثنا الحسن بن عمرو السبيعي ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " لا يجد العبد حلاوة العبادة حتى يجعل بينه وبين الشهوات حائطا من حديد " .

قال وسمعت بشرا يقول : " الدعاء كفارة الذنوب " .

حدثنا محمد بن الحسين بن موسى - في كتابه - ثنا محمد بن الحسن بن الخشاب ، ثنا أحمد بن محمد بن صالح ، ثنا محمد بن عبدون ، ثنا حسن المسوحي ، قال : رآني بشر بن الحارث يوما وأنا أرتعد من البرد ، فنظر إلي فقال :


قطع الليالي مع الأيام في حلق     والنوم تحت رواق الهم والقلق
أحرى وأعذرني من أن يقال غدا     إني التمست الغنى من كف مختلق
قالوا : رضيت بذا قلت القنوع غنى     ليس الغنى كثرة الأموال والورق
رضيت بالله في عسري وفى يسري     فلست أسلك إلا واضح الطرق



حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ، ثنا ابن مخلد ، ثنا محمد بن المثنى ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : قال جعفر بن برقان : قال ميمون بن مهران : " يا جعفر ما يصلح الرجل أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره " .

حدثنا ابن مقسم ، ثنا ابن مخلد ، ثنا الحسين بن عبد الرحمن ، حدثني الأنصاري ، قال : سمعت بشرا يقول " ابن آدم سبع ، وذلك أن السبع يأكل اللحم ، وإنما يكفيك تحركه " .

أخبرني جعفر بن محمد بن نصير الخواص - في كتابه - حدثني عنه أبو الحسن بن مقسم ، قال : سمعت البراثي يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : [ ص: 355 ] " لو سقطت قلنسوة من السماء ما سقطت إلا على رأس من لا يريدها " .

حدثنا أبو الحسن بن مقسم ، حدثني عمر بن الحسن القاضي ، ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد ، حدثني الحسين بن عبد الرحمن ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " ما أعلم أحدا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح " .

وسمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول : حدثني محمد بن يوسف الباقلاني ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت رجلا يسأل أبا نصر بشر بن الحارث أن يحدثه ، فأبى عليه ، فجعل يرغبه ويكلمه وهو يأبى عليه ، قال : فلما أيس منه قال له : يا أبا نصر ما تقول لله غدا إذا لقيته وسألك لم لا تحدث ؟ قال : فقال له بشر : " أقول يا رب كانت نفسي تشتهي أن تحدث ، فامتنعت من أن أحدث ولم أعطها شهوتها " .

حدثنا أبو الحسن ، حدثني أبو مقاتل ، ثنا القاسم بن منبه ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : " ما خلف رجل في بيته أفضل أو خيرا من ركعتين يصليهما " .

حدثنا أبو الحسن بن مقسم ، ثنا ابن مخلد ، ثنا الحسين بن عبد الرحمن ، حدثني الأنصاري ، قال : سمعت بشرا يقول : كان سفيان الثوري إذا عاد رجلا قال : " عافاك الله من النار " .

حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني بيان بن الحكم ، ثنا محمد بن حاتم ، ثنا بشر بن الحارث ، قال : سمعت المعافى بن عمران ، عن الأوزاعي ، قال : " كان يقال يأتي على الناس زمان أقل شيء في ذلك الزمان أخ مؤنس ، أو درهم من حلال ، أو عمل في سنة " .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني بيان بن الحكم ، ثنا محمد بن حاتم ، ثنا بشر بن الحارث ، ثنا عبد الله بن إدريس ، عن حصين ، عن بكر بن عبد الله المزني ، قال : " لا يكون العبد تقيا حتى يكون تقي الغضب " .

حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي ، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة ، ثنا أبي ، ثنا بشر بن الحارث ، ثنا يحيى بن اليمان ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي جمرة ، قال : " إذا ختم الرجل القرآن قبله الملك بين عينيه " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث