الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يحيى بن معاذ

حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد المقرئ ، ثنا الحسن بن علوية الدامغاني ، قال : سمعت يحيى بن معاذ ، يقول : " يا من أقام لي غرس ذكري ، وأجرى لي أنهار نجوي ، وجعل لي أيام عيد في اجتماع الورى ، وأقام لي فيهم أسواق تقوى ، أقبلت إليك معتمدا عليك ممتلئ القلب من رجائك ، ورطب اللسان من دعائك ، في قلبي من الذنوب زفرات ، ومعي عليها ندامات ، إن أعطيتني قبلت ، وإن منعتني رضيت ، وإن تركتني دعوت ، وإن دعوتني أجبت ، فأعطني إلهي ما أريد ، فإن لم تعطني ما أريد فصبرني على ما تريد " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : " من أكثر ذكر الموت لم يمت قبل أجله ، ويدخل عليه ثلاث خصال من الخير : أولها المبادرة إلى التوبة ، والثاني القناعة برزق يسير ، والثالث النشاط في العبادة ، ومن حرص على الدنيا ، فإنه لا يأكل فوق ما كتب الله له ، ويدخل عليه من العيوب ثلاث خصال : أولها أن تراه أبدا غير شاكر لعطية الله له ، والثاني لا يواسي بشيء مما قد أعطي من الدنيا ، والثالث يشتغل ويتعب في طلب ما لم يرزقه الله حتى يفوته عمل الدين " .

حدثنا عثمان بن محمد العثماني ، قال : سمعت أبا بكر البغدادي ، يقول : سمعت عبد الله بن سهل ، يقول : سمعت يحيى بن معاذ ، يقول : " الصبر على الناس أشد من الصبر على النار " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : " تأبى القلوب للأسخياء إلا حبا وإن كانوا فجارا ، وللبخلاء إلا بغضا وإن كانوا أبرارا " .

وقال يحيى : " ليس على وجه الأرض أحد إلا وفيه فقر وحرص ، ولكن من أخلاق المؤمنين أن يكونوا [ ص: 67 ] حرصاء على طلب الجنة ، فقراء إلى ربهم ، والمنافق حريص على الدنيا فقير إلى الخلق " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : قال بعض الحكماء : " من أصبح لم يكن معه هذه الخصال الثلاث لم يصب طريق العزم : أولها كما أن الله لم يعط رزقك اليوم غيرك فلا تعمل لغيره ، وكما أن الله لم يشارك فيما أعطاك أحدا فلا تشارك في العمل الذي تعمل له - يعني الرياء - ، وكما أن الله لم يكلفك اليوم عمل غد فلا تسأله رزق غد على جور حتى إذا لم يعطك شكوته " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : " إذا لاحظت الأشياء منه كان لها طعم آخر " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : " ليس بصادق من ادعى حبه ولم يحفظ حده " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : " سقوط رجل من درجة ادعاؤها " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : " إذا عملوا على الصدق انطلقت ألسنتهم على الخلق بالشدة ، وإذا عملوا في التفويض انكسرت ألسنتهم عن الخلق مبهوتين ، الأول من صفة الزاهدين ، والثاني من صفة العارفين " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : " إنما تلقى الزاهد في الدنيا أحيانا ليرفق بعباد الله إذا ذلوا " .

قال : وسمعت يحيى ، يقول : " من أقام قلبه عند الله سكن ، ومن أرسله في الناس اضطرب " .

حدثنا عثمان بن محمد ، قال : قرئ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى ، ثنا إسماعيل بن معاذ ، عن أخيه يحيى بن معاذ ، قال : " قسم الدنيا على البلوى والجنة على التقوى ، وجوع التوابين تجربة ، وجوع الزاهدين سياسة ، وجوع الصديقين تكرمة ، والجوع طعام يشبع الله منه أبدان الصديقين ، وإذا امتلأت المعدة خرست الحكمة ، وأشرف الجوع حالة ينظر إليك فيها العدو فيرحمك ، وأمقت الشبع حالة ينظر إليك معها الصديق فيستثقلك ، فالحزن يمنع الطعام ، والخوف يمنع الذنوب ، والرجاء يقوي على أداء الفرائض ، وذكر الموت يزهد في الشيء ، وفي لقاء الإخوان مدافعة ما فضل من النهار ، وصلاح الأمر في ذلك كله أن يكون على نية " .

حدثنا محمد بن محمد بن زيد ، ثنا الحسن بن علويه ، قال : سمعت يحيى بن معاذ ، يقول : " تولد الخوف في القلب من ثلاث خصال : إدامة الفكر معتبرا ، [ ص: 68 ] والشوق إلى الجنة مشفقا ، وذكر النار متخوفا ، والورع من ثلاث خصال : من عز النفس ، وصحة اليقين ، وتوقع الموت ، وتمام المعرفة من ثلاث خصال : حسن القبول ، وتقليد العلم ، وبذل النصح ، وقال : عدم التواضع من فاتته ثلاث خصال : علمه بما خلق منه ، وما يعود إليه ، وما يحمله في جوفه ، والمتواضع من ظن أنه من أذنب أهل الأرض ، ومن آثر صحبة المساكين ، وقال : لا تتخذوا من القرناء إلا ما فيه ثلاث خصال : من حذرك غوائل الذنوب ، وعرفك مدانس العيوب ، وسايرك إلى علام الغيوب ، وقال : شرف المعاد من ثلاث : احتمال الشدائد ، وإذلال النفس ، وكراهة المعرفة ، ومعنى كراهة المعرفة يكره أن يعرف في الناس ، لا يبتغي معرفة الناس ، إنما استئناسه بذكر الله في الخلوة ومع الناس ، وقال : غنيمة الآخرة في ثلاثة أشياء : الطاعة والبر والعصيان ، طاعة الرب ، وبر الوالدين ، وعصيان الشيطان ، وقال : الفارس في الدين من كان فيه ثلاث خصال : حفظ لسانه ، وإمساك عنانه ، وصدق بيانه ، حفظ لسانه لا يتكلم إلا بما له ، وإمساك عنانه هو في حلبة الأعمال فيمسك عنان إرادته إذا كان لغير الله ، ويرسله إذا كان لله ، وصدق بيانه إذا علم شيئا عمل به .

وثلاثة من السعادة : مقلة دامعة ، وعنق خاضعة ، وأذن سامعة ، ولا يجد حلاوة العبادة إلا من فيه ثلاث خصال : أن يستأثر الرجلة ، ويستلذ العزلة ، ويترقب النقلة : الرجلة الإقلال ، والعزلة الوحدة ، والنقلة الرحلة إلى القبر ، وأغبط الناس من سلك طريق آخرته ، وأصلح شأن عاقبته ، واجتهد في فكاك رقبته ، وقال : لم أجد السرور إلا في ثلاث خصال : التنعم بذكر الله ، واليأس من عباد الله ، والطمأنينة إلى موعود الله - يعني في الرزق - وقال : المصيب من عمل ثلاثة أشياء ، تلقاه : من ترك الدنيا قبل أن تتركه ، وبنى قبره قبل أن يدخله ، وأرضى ربه قبل أن يقدم عليه ، وقال :عجبت لثلاث وفرحت لثلاث ، واغتممت لثلاث : فالتي عجبت منها : فتنة العالم ، وسرور الإنسان بما أصاب من الدنيا وهو تراث من تقدمه وتراث من يخلفه ، يسلبه ثم يؤخذ بحسابه ، ومن رتع في أفواه أمانيه في مراتع الموت ، وفرحت لثلاث : إظهار الله آدم على إبليس ، وهذا ملك ، وهذا بشر ، وإخراجه إيانا في هذه الأمة ، والخصلة الثالثة [ ص: 69 ] ، وهي أشرف الثلاث ، معرفة الله تعالى ، واغتممت لثلاث : لذنوب أسلفتها ، وأيام ضيعتها ، والخصلة الثالثة ، وفيها الخطر العظيم ، وقوفي بين يدي الله - عز وجل - لا أدري ما يبدو لي منه ، وذلك المقام الشديد يتوقع فيها المحاسب بماذا يختم له أياما ضيعها - يعني في الغفلة وترك الاستعداد - " .

حدثنا محمد بن عبيد الله ، ثنا الحسن بن علويه ، قال : سمعت يحيى بن معاذ ، يقول : " من لم يكن ظاهره مع العوام فضة ومع المريدين ذهبا ومع العارفين المقربين درا وياقوتا ، فليس من حكماء الله المريدين ، قال : وسمعت يحيى ، يقول : أحسن شيء كلام صحيح من لسان فصيح في وجه صبيح ، وكلام دقيق مستخرج من بحر عميق على لسان رجل رفيق ، وقال يحيى : ثلاثة من الأموال : الدراهم والدنانير والدر والياقوت ، فكلامي في العظات الدراهم ، وفي الصفات الدنانير ، وفي المعرفة وكرم الله الدر والياقوت . " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث