الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

موعظته لأصحابه وفصول من حكمه

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : ثنا أبو طالب بن سوادة ، قال : ثنا يوسف بن بحر المروزي ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : ثنا أبو عبيدة سعيد بن رزين ، قال : سمعت الحسن يعظ أصحابه يقول : إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها ، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف بحظه من الله عز وجل ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذاب الله ، فأمرها صغير ، ومتاعها قليل ، والفناء عليها مكتوب ، والله تعالى ولي ميراثها ، وأهلها محولون عنها إلى منازل لا تبلى ولا يغيرها طول الثواء منها يخرجون . فاحذروا - ولا قوة إلا بالله - ذلك الموطن ، وأكثروا ذكر ذلك المنقلب ، واقطع يا ابن آدم من الدنيا أكثر همك ، أو لتقطعن حبالها بك فينقطع ذكر ما خلقت له من نفسك ، ويزيغ عن الحق قلبك ، وتميل إلى الدنيا فترديك ، وتلك منازل سوء بين ضرها ، منقطع نفعها ، مفضية والله بأهلها إلى ندامة طويلة وعذاب شديد ، فلا تكونن يا ابن آدم مغترا ، ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه ، فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك لم تخلص منها حتى الآن ، ولا بد من ذلك المسلك وحضور تلك الأمور ، إما يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها ، وإما الهلكة . وهي منازل شديدة مخوفة محذورة مفزعة للقلوب ، فلذلك فاعدد ، ومن شرها فاهرب ، ولا يلهينك المتاع القليل الفاني ، ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقاص من عمرك ، فبادر أجلك ولا تقل غدا غدا فإنك لا تدري متى إلى الله تصير ، واعلموا أن الناس أصبحوا جادين في زينة الدنيا ، يضربون في كل غمرة ، وكل معجب بما هو فيه ، راض به حريص على أن يزداد منه ، فما لم يكن من ذلك لله عز وجل في طاعة الله فقد خسر أهله وضاع سعيه ، وما كان من ذلك في الله في طاعة الله فقد أصاب أهله به وجه أمرهم ، ووفقوا فيه بحظهم ، عندهم كتاب الله وعهده وذكر ما مضى وذكر ما بقي ، والخير عمن وراءهم .

كذلك أمر الله اليوم وقبل ذلك أمره فيمن مضى ، [ ص: 141 ] لأن حجة الله بالغة ، والعذر بارز ، وكل مواف الله ولما عمل ، ثم يكون القضاء من الله في عباده على أحد أمرين : فمقضي له رحمته وثوابه فيا لها نعمة وكرامة ، ومقضي له سخطه وعقوبته فيا لها حسرة وندامة ، ولكن حق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره وهو واقع أن يصغر في عينه ما هو عند الله صغير ، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم ، أوليس ما ذكر الله من الكراهة لأهلها فيما بعد الموت والهوان ما يطيب نفس امرئ عن عيشة دنياه ، فإنها قد أذنت بزوال ، لا يدوم نعيمها ، ولا يؤمن فجائعها ، يبلى جديدها ، ويسقم صحيحها ، ويفتقر غنيها ، ميالة بأهلها ، لعابة بهم على كل حال . ففيها عبرة لمن اعتبر ، وبيان فعلام تنتظر .

يا ابن آدم أنت اليوم في دار هي لافظتك ، وكأن قد بدا لك أمرها ، وإلى انصرام ما تكون سريعا ، ثم يفضى بأهلها إلى أشد الأمور وأعظمها خطرا ، فاتق الله يا ابن آدم ، وليكن سعيك في دنياك لآخرتك ، فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك ، فلا تدخرن عن نفسك مالك ، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ، ولكن تزود لبعد الشقة ، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك من قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد ، فإذا أنت يا ابن آدم قد ندمت حيث لا تغني الندامة عنك ، ارفض الدنيا ولتسخ بها نفسك ودع منها الفضل ، فإنك إذا فعلت ذلك أصبت أربح الأثمان من نعيم لا يزول ، ونجوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة ، فاكدح لما خلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها ، صاحب الدنيا بجسدك ، وفارقها بقلبك ، ولينفعك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر ، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه ، فإنه عن قليل فناؤه ، ومخوف وباله ، وليزدك إعجاب أهلها بها زهدا فيها [ ص: 142 ] وحذرا منها ، فإن الصالحين كذلك كانوا .

واعلم يا ابن آدم أنك تطلب أمرا عظيما لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك ، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله ؛ ولا تدع حظك وقد عرض عليك ، وأنت مسئول ومقول لك ، فأخلص عملك ، وإذا أصبحت فانتظر الموت ، وإذا أمسيت فكن على ذلك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء ، وأمر العباد بطاعة الله وطاعة رسوله ، فإنكم أصبحتم في دار مذمومة خلقت فتنة ، وضرب لأهلها أجل إذا انتهوا إليه يبيد . أخرج نباتها ، وبث فيها من كل دابة ، ثم أخبرهم بالذي هم إليه صائرون ، وأمر عباده فيما أخرج لهم من ذلك بطاعته ، وبين لهم سبيلها - يعني سبيل الطاعة - ووعدهم عليها الجنة ، وهم في قبضته ليس منهم بمعجز له ، وليس شيء من أعمالهم يخفى عليه ، سعيهم فيها شتى بين عاص ومطيع له ، ولكل جزاء من الله بما عمل ، ونصيب غير منقوص ، ولم أسمع الله تعالى فيما عهد إلى عباده وأنزل عليهم في كتابه رغب في الدنيا أحدا من خلقه ، ولا رضي له بالطمأنينة فيها ، ولا الركون إليها ، بل صرف الآيات وضرب الأمثال بالعيب لها ، والنهي عنها ، ورغب في غيرها . وقد بين لعباده أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن ، هائل المطلع ، نقلهم عنه - أراه - إلى دار لا يشبه ثوابهم ثوابا ، ولا عقابهم عقابا ، لكنها دار خلود يدين الله تعالى فيها العباد بأعمالهم ثم ينزلهم منازلهم ، لا يتغير فيها بؤس عن أهلها ولا نعيم ، فرحم الله عبدا طلب الحلال جهده حتى إذا دار في يده وجهه وجهه الذي هو وجهه .

ويحك يا ابن آدم ما يضرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة ؛ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ؛ هذا فضح القوم ، ألهاكم التكاثر عن الجنة عند دعوة الله تعالى وكرامته ، والله لقد صحبنا أقواما كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا حاجة ، ليس لها خلقنا ، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم وسهرهم ، نعم والله ، حتى أهرقوا فيها دماءهم ، ورجوا فأفلحوا ونجوا . هنيئا لهم لا يطوي أحدهم ثوبا ، ولا يفترشه ، ولا تلقاه إلا صائما ذليلا متبائسا [ ص: 143 ] خائفا ، حتى إذا دخل إلى أهله إن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت ، لا يسألهم عن شيء ما هذا وما هذا ، ثم قال :

ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء

حدثنا أبو محمد بن حيان ، قال : ثنا محمد بن عبد الله بن رسته ، قال : ثنا طالوت بن عباد ، قال : ثنا عبد المؤمن بن عبيد الله ، عن الحسن ، قال : يا ابن آدم عملك عملك فإنما هو لحمك ودمك ، فانظر على أي حال تلقى عملك ، إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ، صدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وصلة الرحم ، ورحمة الضعفاء ، وقلة الفخر والخيلاء ، وبذل المعروف وقلة المباهاة للناس ، وحسن الخلق ، وسعة الخلق مما يقرب إلى الله عز وجل . يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره ، فلا تحقرن من الخير شيئا وإن هو صغر ، فإنك إذا رأيته سرك مكانه ، ولا تحقرن من الشر شيئا ، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه ، فرحم الله رجلا كسب طيبا وأنفق قصدا ، وقدم فضلا ليوم فقره وفاقته ، هيهات هيهات ذهبت الدنيا بحالتي مآلها ، وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم ، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم ، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون ؟ المعاينة فكأن قد . إنه لا كتاب بعد كتابكم ، ولا نبي بعد نبيكم . يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ، ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا .

حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، قال : ثنا محمد بن سابق ، قال : ثنا مالك بن مغول ، عن حميد . قال : بينما الحسن في يوم من رجب في المسجد وهو يمص ماء ويمجه ، تنفس تنفسا شديدا ثم بكى حتى ارتعدت منكباه ، ثم قال : لو أن بالقلوب حياة ، لو أن بالقلوب صلاحا ، لأبكيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة ، إن ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط أكثر فيه من عورة بادية ، [ ص: 144 ] ولا عين باكية ، من يوم القيامة .

حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، قال : ثنا محمد بن سابق ، قال : ثنا ابن مغول ، قال : قال الحسن : غدا كل امرئ فيما يهمه ، ومن هم بشيء أكثر من ذكره ، إنه لا عاجلة لمن لا آخرة له ، ومن آثر دنياه على آخرته فلا دنيا له ولا آخرة .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد ، قال : ثنا علي بن مسلم ، قال : ثنا سيار ، قال : ثنا جعفر ، قال : ثنا إبراهيم بن عيسى اليشكري ، قال : سمعت الحسن إذا ذكر صاحب الدنيا يقول : والله ما بقيت له ولا بقي لها ، ولا سلم من تبعتها ولا شرها ولا حسابها ، ولقد أخرج منها في خرق .

حدثنا أحمد بن جعفر بن معبد ، قال : ثنا عبد الله بن محمد بن النعمان ، قال : ثنا محمد بن آدم المصيصي - وكان يقال إنه من الأبدال - قال :ثنا مخلد بن الحسين ، عن هشام ، عن الحسن في قوله عز وجل : ( هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه ) . قال : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل ، وإن المنافق أساء الظن فأساء العمل .

حدثنا أبو مسعود عبد الله بن محمد بن أحمد الأديب ، قال : ثنا محمد بن أحمد بن سليمان الهروي ، قال : ثنا أبو حاتم السجستاني ، قال : ثنا الأصمعي ، قال : ثنا عيسى بن عمر ، قال : قال الحسن : حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور ، واقرعوا النفوس فإنها خليعة ، وإنكم إن أطعتموها تنزل بكم إلى شر غاية .

حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله القاري ، قال : ثنا عبيد بن الحسن ، قال : ثنا سليمان بن داود ، قال : ثنا أبو معاوية الضرير ، قال : ثنا العوام بن حوشب ، قال : سمعت الحسن يقول : من كانت له أربع خلال حرمه الله على النار ، وأعاذه من الشيطان ، من يملك نفسه عند الرغبة والرهبة ، وعند الشهوة ، وعند الغضب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث