الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما جاء عنه في تأويل بعض الآيات وحكايات تدل على حاله

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال :ثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال :ثنا حسين بن محمد قال :ثنا شيبان عن قتادة [ في قوله تعالى ] : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) . قال : كان يقال : كفى بالرهبة علما .

حدثنا محمد بن أحمد قال :ثنا إسحاق قال :ثنا حسين قال :ثنا شيبان ، عن قتادة [ في قوله تعالى ] : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه . قال قتادة والحسن : لا يقبل قول إلا بعمل ، فمن أحسن العمل قبل الله قوله .

حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال :ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال :ثنا هارون بن عبد الله قال :ثنا سيار قال :ثنا جعفر قال :ثنا حجاج الأسود [ ص: 336 ] القسملي زق العسل قال : سمعت قتادة يقول : ابن آدم ، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا بنشاط ، فإن نفسك إلى السآمة وإلى الفترة وإلى الملل [ أميل ] ولكن المؤمن هو المتحامل والمؤمن المتقوي ، وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله بالليل والنهار ، وما زال المؤمنون يقولون : ربنا ربنا - في السر والعلانية حتى استجاب لهم .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال :ثنا إسحاق الحربي قال :ثنا حسين بن محمد المروزي قال :ثنا شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة قال :يا ابن آدم ، لا تعتبر الناس بأموالهم ولا أولادهم ، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح ، إذا رأيت عبدا صالحا يعمل فيما بينه وبين الله خيرا ففي ذلك فسارع ، وفي ذلك فنافس ما استطعت إليه قوة ، ولا قوة إلا بالله . وقال قتادة : إن الذنب الصغير يجتمع إلى غيره مثله على صاحبه حتى يهلكه ، ولعمري إنا لنعلم أن أهيبكم للصغير من الذنب أورعكم عن الكبير [ وقال قتادة في قوله تعالى ] : ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ) هذا عبد نوى الدنيا ، لها أنفق ، ولها شخص ، ولها نصب ، ولها عمل ، ولها همه ونيته وسدمه وطلبته . ومنهم من يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، هذا عبد نوى الآخرة ، ولها شخص ، ولها أنفق ، ولها نصب ، وكانت الآخرة همه وسدمه وطلبته ونيته ، وقد علم الله تعالى أنه سيزل زالون من الناس ، فتقدم في ذلك وأوعد فيه ; لكي تكون الحجة لله على خلقه .

حدثنا أبو محمد بن حيان قال : ثنا محمد بن يحيى قال :ثنا عمرو بن علي قال :ثنا يزيد بن زريع قال :حدثني هشام الدستوائي قال : سمعت قتادة يقول : ما نهى الله عن ذنب إلا وقد علم أنه موقوع ، ولكن تقدمة وحجة .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسين قال :ثنا إسحاق بن الحسن قال :ثنا حسين بن محمد قال :ثنا شيبان قال : ثنا قتادة قال : اجتنبوا نقض هذا الميثاق [ ص: 337 ] فإن الله تعالى قد قدم فيه وأوعد ، وذكره في آي من القرآن تقدمة ونصيحة وحجة ، وإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند ذوي العقل والفهم والعلم بالله عز وجل ، وإنا ما نعلم الله تعالى أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق ، وإن المؤمن حي القلب حي البصر ، سمع كتاب الله فانتفع به ، ووعاه وحفظه وعقله عن الله ، والكافر أصم أبكم ، لا يسمع خيرا ، ولا يحفظه [ ولا يتكلم ] بخير ولا يعلمه ، في الضلالة متسكعا فيها ، لا يجد منها مخرجا ولا منفذا ، أطاع الشيطان فاستحوذ عليه . وتلا قوله : ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) . قال : خصومة علمها الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، يخاصمون بها أهل الضلالة ، وإن الله عز وجل علمكم فأحسن تعليمكم ، وأدبكم فأحسن تأديبكم ، فأخذ رجل بما علمه الله ، ولا يتكلف ما لا علم به ، فيخرج من دين الله ويكون من المتكلفين ، وإياكم والتكلف والتنطع والغلو والإعجاب بالأنفس ، تواضعوا لله عز وجل لعل الله يرفعكم ، قد رأينا والله أقواما يسرعون إلى الفتن وينزعون فيها ، وأمسك أقوام عن ذلك هيبة لله ومخافة منه ، فلما انكشفت إذا الذين أمسكوا أطيب نفسا ، وأثلج صدورا ، وأخف ظهورا من الذين أسرعوا إليها وينزعون فيها ، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها ، وايم الله ، لو أن الناس يعرفون من الفتنة إذا أقبلت كما يعرفون منها إذا أدبرت لعقل فيها جيل من الناس كثير ، والله ما بعثت فتنة قط إلا في شبهة وريبة ، إذا شبت رأيت صاحب الدنيا لها يفرح ، ولها يحزن ، ولها يرضى ، ولها يسخط ، ووالله لئن تشبث بالدنيا وحدب عليها ليوشك أن تلفظه وتقضي منه .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال : ثنا إسحاق بن الحسن قال :ثنا حسين بن محمد قال :ثنا شيبان ، عن قتادة قال : عليكم بالوفاء بالعهد ولا تنقضوا هذه المواثيق ، فإن الله قد نهى عن ذلك وقدم فيه أشد التقدمة ، وذكره في بضع وعشرين آية نصيحة لكم وتقدمة إليكم وحجة عليكم ، قال الله عز وجل : ( ولنسكننكم الأرض من بعدهم ) . وعدهم الله النصر في الدنيا والجنة [ ص: 338 ] في الآخرة ، فبين الله من يسكنها من عباده ، فقال : ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) وقال : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) وأن لله تعالى مقاما هو قائمه ، وأن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام ، فنصبوا ودأبوا الليل والنهار ، وقال : ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ) . فخافوا والله ذلك ، فعملوا فنصبوا ، ودأبوا بالليل والنهار ، وقال : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ) علم الله أن في الدنيا خلالا يتخاللون بها في الدنيا ، فلينظر الرجل علام يخالل ومن يصاحب ، فإن كان لله فليداوم ، وإن كان لغير الله فليعلم أن كل خلة ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة إلا خلة المتقين .

حدثنا أبو بكر بن مالك قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال :حدثني أبي قال :ثنا عبد الصمد قال :ثنا إبراهيم أبو إسماعيل القتات قال : سمعت قتادة يقول : منع البر النوم ، وكانوا ينامون قبل الإسلام ، فلما جاء الإسلام أخذوا والله من نومهم وليلهم ونهارهم وأموالهم وأبدانهم ما تقربوا به إلى ربهم .

حدثنا أبو بكر بن مالك قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال :حدثني أبي قال :ثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة قال : كان يقال : قلما ساهر الليل ينافق .

حدثنا أبو بكر بن مالك قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال :حدثني أبي قال :حدثني الحسن بن موسى قال :ثنا عبد الوهاب قال :ثنا سلام بن مسكين أبو روح قال : ثنا قتادة قال : كان يقال : إن الناس لا يطئون إلا آثارا ، ولا يتكلمون إلا برجيع من القول ، المحسن على إثر المحسن ، عمله كعمله وثوابه كثوابه ، والمسيء على إثر المسيء ، عمله كعمله وثوابه كثوابه ، وإن البر التقي عند فعله يحل ، وإن الفاجر الشقي عند فعله يحل ، كل سيهجم على ما قدم ويعاين ما قد أسلف ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه قال :ثنا محمد بن أيوب قال :ثنا موسى بن إسماعيل قال :ثنا سلام بن أبي مطيع ، عن قتادة ، أنه كان يختم القرآن في كل سبع [ ص: 339 ] ليال مرة ، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة ، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة .

حدثنا أبو علي محمد بن أحمد قال : ثنا إسحاق الحربي قال :ثنا حسين المروزي قال :ثنا شيبان ، عن قتادة في قوله تعالى : ( وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) قال : حنت قلوبهم إلى ذكر الله واستأنست به ، وقال : ( فلولا أنه كان من المسبحين ) قال : كان كثير الصلاة في الرجا فنجا . وكان يقال في الحكمة : إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عثر ، وإذا ما صرع وجد متكأ . وقال : ( والذين هم عن اللغو معرضون ) قال : أتاهم والله من أمر الله ما رقدهم عن الباطل ، وذكر لنا أن الله لما أخذ في خلق آدم عليه السلام ، قالت الملائكة : ما الله بخالق خلقا هو أعلم منا ولا أكرم عليه منا ، فابتليت الملائكة بخلق آدم ، وقد يبتلي الله عباده بما شاء ليعلم من يطيعه ومن يعصيه ، ومن تفكر في الدنيا والآخرة عرف فضل إحداهما على الأخرى ، وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء ، وأن الآخرة دار بقاء ثم دار جزاء ، فكونوا ممن يصرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة إن استطعتم ، ولا قوة إلا بالله .

حدثنا أبي قال :ثنا عبد الله بن محمد بن عمران قال :ثنا محمد بن أبي عمر العدني قال :ثنا سفيان ، عن الحسن الجعفي ، عن ابن القاسم بن الوليد ، عن قتادة في قوله عز وجل : ( والباقيات الصالحات ) قال : كل ما أريد به وجه الله تعالى .

حدثنا أبي قال :ثنا عبد الله بن محمد قال :ثنا ابن أبي عمر قال :ثنا سفيان ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة قال :لم يتمن الموت أحد قط لا نبي ولا غيره إلا يوسف عليه السلام ; حين تكاملت عليه النعم ، وجمع له الشمل ، اشتاق إلى لقاء ربه عز وجل : ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ) فاشتاق إلى ربه عز وجل .

حدثنا أحمد بن جعفر بن سلمة قال :ثنا أحمد بن علي الأبار قال :ثنا أبو عمار قال :ثنا الفضل بن موسى ، عن الحسن - يعني ابن واقد - عن مطر ، عن [ ص: 340 ] قتادة قال : من يتق الله يكن معه ، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب ، والحارس الذي لا ينام ، والهادي الذي لا يضل .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال :ثنا علي بن سعيد قال :ثنا محمد بن يحيى الأزدي قال :ثنا عبد الوهاب قال :ثنا سعيد ، عن سعيد ، عن قتادة قال : من أطاع الله في الدنيا خلصت له كرامة الله في الآخرة .

حدثنا عبد الله بن محمد قال :ثنا الحسين بن محمد قال :ثنا نوح بن حبيب قال :ثنا عبد الرزاق ، عن معمر قال : صك رجل ابنا لقتادة ، فاستعدى عليه عند بلال بن أبي بردة فلم يلتفت إليه ، فشكاه إلى القسري ، فكتب إليه : إنك لم تنصف أبا الخطاب ، فدعاه ودعا وجوه أهل البصرة يتشفعون إليه ، فأبى أن يشفعهم ، فقال له : صكه كما صكك ، فقال لابنه : يا بني ، احسر عن ذراعيك ، وارفع يديك وشد ، قال : فحسر عن ذراعيه ورفع يديه ، فأمسك قتادة يده وقال : قد وهبناه لله ; فإنه كان يقال : لا عفو إلا بعد قدرة .

حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين قال : ثنا محمد بن جعفر بن ملاس قال :ثنا أحمد بن إبراهيم بن ملاس قال :ثنا زيد بن يحيى قال :ثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة قال :إن في الجنة كوى إلى النار ، فيطلع أهل الجنة من تلك الكوى إلى النار ، فيقولون : ما بال الأشقياء ، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم ؟! قالوا : إنا كنا نأمركم ولا نأتمر ، وننهاكم ولا ننتهي .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال :ثنا إسحاق الحربي قال :ثنا حسين بن محمد قال :ثنا شيبان ، عن قتادة قال : يا أيها الذين آمنوا اصبروا على ما أمر الله ، وصابروا أهل الضلالة ; فإنكم على حق وهم على باطل ، ورابطوا في سبيل الله ، واتقوا الله لعلكم تفلحون .

حدثنا عبد الله بن محمد قال :ثنا أحمد بن روح الشعراني قال :ثنا أبو الأصبغ عامر بن يزيد قال :ثنا هريم بن عثمان قال :ثنا سلام ، عن قتادة : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) قال : مخرجا من شبهات الدنيا ، ومن الكرب عند الموت ، وفي مواقف يوم القيامة ، ( ويرزقه من حيث ) [ ص: 341 ] ( لا يحتسب ) قال : من حيث يرجو ومن حيث لا يرجو ، ومن حيث يأمل ومن حيث لا يأمل .

أخبرنا خيثمة بن سليمان فيما كتب إلي ، وحدثني عنه عمر بن أحمد بن عثمان قال :ثنا عمر بن عمرو الحنفي قال :ثنا أبي قال :ثنا خليد بن دعلج ، عن قتادة في قوله : ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ) قال : ( من أخيه ) هابيل من قابيل ( وأمه وأبيه ) نبينا عليه الصلاة والسلام من أمه ، وإبراهيم من أبيه ( وصاحبته وبنيه ) قالوا : لوط من صاحبته ونوح من بنيه .

حدثنا أبو الفرج أحمد بن جعفر النسائي قال : ثنا محمد بن جرير قال :ثنا يونس بن عبد الأعلى قال :ثنا محمد بن عبد العزيز قال :ثنا شهاب بن خراش ، عن قتادة قال : باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح الناس ، أفضل من عبادة حول كامل .

حدثنا أبو حامد بن جبلة قال : ثنا محمد بن إسحاق قال :ثنا عبد الله بن أيوب قال :ثنا روح قال :ثنا قرة بن خالد قال : كان هجير قتادة إذا مر الحديث : ألا إلى الله تصير الأمور .

حدثنا أبو محمد بن حيان قال : ثنا محمد بن عبد الله بن رسته قال :ثنا أبو كامل قال :ثنا أبو عوانة ، عن قتادة قال : كان المؤمن لا يعرف إلا في ثلاثة مواطن : بيت يستره ، أو مسجد يعمره ، أو حاجة من الدنيا ليس بها بأس .

حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن الفضل قال :ثنا محمد بن الحسين بن مكرم قال :ثنا يعقوب الدورقي قال :ثنا وكيع ، عن أبي الأشهب ، عن قتادة قال : قال لقمان لابنه : اعتزل الشر كما يعتزلك الشر ; فإن الشر للشر خلق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث