الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              حدثنا عبد الرحمن بن أحمد ، ثنا أبو حاتم مكي بن عبدان ، ثنا محمد بن يحيى ، حدثني عطاف بن خالد المخزومي ، عن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن أبي فروة ، عن ابن شهاب ، قال : أصاب أهل المدينة حاجة زمان عبد الملك بن مروان فعمت أهل البلد وقد خيل إلي أنه قد أصابنا أهل البيت من ذلك ما لم يصب أحدا من أهل البلد ، وذلك لخبرتي بأهلي ، فتذكرت هل من أحد أمت إليه برحم أو مودة أرجو إن خرجت إليه أن أصيب منه شيئا ، فما علمت من أحد أخرج إليه ، ثم قلت : إن الرزق بيد الله ، ثم خرجت حتى قدمت دمشق فوضعت رحلي ثم غدوت إلى المسجد فعمدت إلى أعظم مجلس رأيته في المسجد وأكثره أهلا فجلست إليه ، فبينما نحن على ذلك إذ خرج رجل من عند عبد الملك بن مروان كأجسم الرجال وأجملهم وأحسنهم هيئة ، فأقبل إلى المجلس الذي أنا فيه فتحثحثوا له - أي أوسعوا - فجلس فقال : لقد جاء أمير المؤمنين اليوم كتاب ما جاءه مثله منذ استخلفه الله ، قالوا : ما هو ؟ قال : كتب إليه عامله بالمدينة - هشام بن إسماعيل - يذكر أن ابنا لمصعب بن الزبير ابن أم ولد مات فأرادت أمه أن تأخذ ميراثها فيه فمنعها عروة بن الزبير وزعم أنه لا ميراث لها ، فتوهم أمير المؤمنين في ذلك حديثا سمعه من سعيد بن المسيب يذكره عن - عمر بن الخطاب في أمهات الأولاد لا يحفظ أمير المؤمنين ذلك الحديث ، قال ابن شهاب : أنا أحدثكم ، فقام إلي قبيصة حتى أخذ بيدي ثم خرج بي حتى دخل الدار على عبد الملك ثم جاء إلى البيت الذي فيه عبد الملك فقال : السلام عليكم ، فقال له عبد الملك : ادخل ، فدخل قبيصة وهو آخذ بيدي ، وقال : هذا يا أمير المؤمنين يحدث بالحديث الذي سمعت من ابن المسيب في أمهات الأولاد ، فقال [ ص: 368 ] عبد الملك : إيه ، قال : فقلت : سمعت سعيد بن المسيب يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمر لأمهات الأولاد أن يقمن في أموال أبنائهن بقيمة عدل ثم يعتقن فمكث بذلك صدرا من خلافته ، ثم توفي رجل من قريش كان له ابن من أم ولد كان - عمر يعجب بذلك الغلام ، فمر ذلك الغلام على - عمر في المسجد بعد وفاة أبيه بليال ، فقال له - عمر : ما فعلت يا ابن أخي في أمك ؟ قال : فعلت يا أمير المؤمنين خيرا ، خيروني بين أن يسترقوا أمي ، أو يخرجوني من ميراثي من أبي فكان ميراثي من أبي أهون علي من أن يسترقوا أمي ، قال - عمر : أولست إنما أمرت في ذلك بقيمة عدل ، ما أرى رأيا ولا آمر أمرا إلا قلتم فيه ، ثم قام فجلس على المنبر فاجتمع الناس إليه حتى إذا رضي من جماعتهم ، قال : أيها الناس ، إني قد كنت أمرت في أمهات الأولاد بأمر قد علمتموه ثم قد حدث لي رأي غير ذلك ، فأيما امرئ كانت عنده أم ولد فملكها بيمينه ما عاش فإذا مات فهي حرة لا سبيل لأحد عليها ، قال عبد الملك : من أنت ؟ قال :أنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب ، قال : أم والله إن كان لك لأب يغار في الفتنة مؤذيا لنا فيها ، قال : فقلت : يا أمير المؤمنين قل كما قال العبد الصالح ، قال : أجل ، لا تثريب عليكم اليوم ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين افرض لي فإني مقطع من الديوان ، قال : إن بلدك لبلد ما فرضنا لأحد فيها منذ كان هذا الأمر ، ثم نظر إلى قبيصة وإني وهو قائمان بين يديه فكأنه أومأ إليه أن افرض له ، قال : قد فرض لك أمير المؤمنين ، قال : قلت : وصلة تصلنا بها يا أمير المؤمنين فإني والله لقد خرجت من أهلي وإن فيهم لحاجة ما يعلمها إلا الله ، ولقد عمت الحاجة أهل البلد ، قال : قد وصلك أمير المؤمنين ، قال : قلت يا أمير المؤمنين وخادم تخدمنا فإني والله قد تركت أهلي ما لهم خادم إلا أختي إنها الآن تخبز لهم ، وتعجن لهم ، وتطحن لهم ، قال : وقد أخدمك أمير المؤمنين ، قال ابن شهاب : ثم كتب إلى هشام بن إسماعيل مع ما قد عرف من حديثي أن ابعث إلى ابن المسيب فاسأله عن الحديث الذي سمعت يحدث في [ ص: 369 ] أمهات الأولاد عن - عمر بن الخطاب ، فكتب إليه هشام بمثل حديثي ما زاد عنه حرفا ولا نقص منه حرفا .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية