الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم قال : ( هن أم الكتاب ) وفيه سؤالان :

السؤال الأول : ما معنى كون المحكم أما للمتشابه ؟

الجواب : الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات ، وقيل : إن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب ، وهو أنه قال : إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الابن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) [ مريم : 35 ] محكما لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم .

السؤال الثاني : لم قال : ( أم الكتاب ) ولم يقل : أمهات الكتاب ؟

الجواب : أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد ، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر ، ونظيره قوله تعالى : ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) [ المؤمنون : 50 ] ولم يقل آيتين ، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة ، فكذلك هاهنا .

ثم قال : ( وأخر متشابهات ) وقد عرفت حقيقة المتشابهات ، قال الخليل وسيبويه : إن " أخر " فارقت أخواتها في حكم واحد ، وذلك لأن أخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر وآخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع " من " أو بالألف واللام ، فيقال : زيد أفضل من عمرو ، وزيد الأفضل ; فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل ، فكان القياس أن يقال : زيد آخر من عمرو ، أو يقال : زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ " من " لأن لفظه اقتضى معنى " من " فأسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن ، فسقط الألف واللام أيضا فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر ، فأخر جمعه ، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها .

ثم قال : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) اعلم أنه تعالى لما بين أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه ، بين أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه ، والزيغ الميل عن الحق ، يقال : زاغ زيغا : أي مال ميلا ، واختلفوا في هؤلاء الذين أريدوا بقوله ( في قلوبهم زيغ ) فقال الربيع : هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة الله وروح منه قال : بلى . فقالوا : حسبنا . فأنزل الله هذه الآية ، ثم أنزل ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) [ آل عمران : 59 ] وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور . وقال قتادة والزجاج : هم الكفار الذين ينكرون البعث ، لأنه قال في آخر الآية ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وما ذاك إلا وقت القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

[ ص: 151 ] وقال المحققون : إن هذا يعم جميع المبطلين ، وكل من احتج لباطله بالمتشابه ، لأن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون ( ائتنا بعذاب الله ) [ العنكبوت : 29 ] و ( لا تأتينا الساعة ) [ سبأ : 3 ] و ( لو ما تأتينا بالملائكة ) [ الحجر : 7 ] فموهوا الأمر على الضعفة ، ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) [ طه : 5 ] فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصا بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق وإما أن يكون أكبر فيكون منقسما مركبا وكل مركب فإنه ممكن ومحدث ، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإله في مكان ، فيكون قوله ( الرحمن على العرش استوى ) متشابها ، فمن تمسك به كان متمسكا بالمتشابهات ، ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد ، فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي ، وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك كان حصول الفعل عند تلك الداعية واجبا ، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجبا ، فحينئذ يبطل ذلك التفويض ، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته ، فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالا بالمتشابهات ، فبين الله تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغا عن الحق وطلبا لتقرير الباطل .

واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ، ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقول : المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات .

وقال أبو مسلم الأصفهاني : الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال ، ولا يتأوله على المحكم الذي بينه الله تعالى بقوله ( وأضلهم السامري ) [ طه : 85 ] ( وأضل فرعون قومه وما هدى ) [ طه : 79 ] ( وما يضل به إلا الفاسقين ) [ البقرة : 26 ] وفسروا أيضا قوله ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ) [ الإسراء : 16 ] على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم ، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [ البقرة : 185 ] ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم ) [ النساء : 26 ] وتأولوا قوله تعالى : ( زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) [ النمل : 4 ] على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [ الرعد : 11 ] ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) [ القصص : 60 ] وقال : ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) [ فصلت : 17 ] وقال : ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ) [ يونس : 108 ] وقال : ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) [ الحجرات : 7 ] فكيف يزين النعمة ؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات ، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات ؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجراءها على الظاهر ، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر ؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دل على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا [ ص: 152 ] قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم منه أيضا أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالما وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالما ، ولو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها ، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابهة ، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة .

وأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة :

أحدها : ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقا .

وثانيها : الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره .

وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه ، فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك متشابها بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر ، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها . فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث