الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم

المسألة الثانية : المتكلمون قالوا : إنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، ومن كان كذلك كان عالما بها فوجب كونه تعالى عالما بها والحكماء قالوا : إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات ، والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بكلها :

واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات الزمانية ؛ وذلك لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر . فوجب كونه تعالى عالما بهذه التغيرات والزمانيات من حيث أنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) يدل على كونه تعالى منزها عن الضد والند وتقريره : أن قوله : ( وعنده مفاتح الغيب ) يفيد الحصر ، أي عنده لا عند غيره . ولو حصل موجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضا عند ذلك الآخر ، وحينئذ يبطل الحصر . وأيضا فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد ، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه . وتقريره : أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر ، والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه . فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه ، لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر . فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه . والله أعلم .

المسألة الرابعة : قرئ "ولا حبة ، ولا رطب ، ولا يابس" بالرفع وفيه وجهان :

الأول : أن يكون عطفا على محل من ورقة .

وأن يكون رفعا على الابتداء وخبره ( إلا في كتاب مبين ) كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار .

المسألة الخامسة : قوله : ( إلا في كتاب مبين ) فيه قولان :

الأول : أن ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير . وهذا هو الصواب .

والثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) [ الحديد : 22 ] .

وفائدة هذا الكتاب أمور :

أحدها : أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات ، وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء . فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ ؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له .

وثانيها : يجوز أن يقال : إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء ؛ لأنه إذا كان [ ص: 11 ] لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف ، فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى .

وثالثها : أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم ، وإلا لزم الجهل . فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضا تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر ، وتأخر ما تقدم كما قال - صلوات الله عليه - : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث