الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما

وقوله : ( ما ووري عنهما من سوآتهما ) فيه مباحث :

البحث الأول : ما ووري مأخوذ من المواراة يقال : واريته أي سترته . قال تعالى : ( يواري سوأة أخيه ) . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي لما أخبره بوفاة أبيه : اذهب فواره .

البحث الثاني : السوءة فرج الرجل والمرأة ، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : كأنهما قد ألبسا ثوبا يستر عورتهما ، فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى : ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ) .

البحث الثالث : دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات ، وأنه لم يزل مستهجنا في الطباع مستقبحا في العقول . وقوله : ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) ( الأعراف : 20 ) يمكن أن يكون هذا الكلام ذكره إبليس بحيث خاطب به آدم وحواء ، ويمكن أيضا أن يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما ، والأمران مرويان إلا أن الأغلب أنه كان ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى : ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) ومعنى الكلام أن إبليس قال لهما في الوسوسة : إلا أن تكون ملكين ، وأراد به أن تكونا بمنزلة الملائكة إن أكلتما منها أو تكونا من الخالدين إن أكلتما ، فرغبهما بأن أوهمهما أن من أكلها صار كذلك ، وأنه تعالى إنما نهاهما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ولا يخلدا ، وفي الآية سؤالات :

السؤال الأول : كيف أطمع إبليس آدم في أن يكون ملكا عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله . والجواب من وجوه :

الأول : إن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض . أما ملائكة السماوات وسكان العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا البتة لآدم ، ولو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع فاسدا مختلا .

وثانيها : نقل الواحدي عن بعضهم أنه قال : إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة ، ولم يعلم ذلك لنفسه ، فعرض عليه إبليس أن يصير مثل الملك في البقاء ، وأقول : هذا الجواب ضعيف ؛ لأن على هذا التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود وحينئذ لا يبقى فرق بين قوله : ( إلا أن تكونا ملكين ) وبين قوله : ( أو تكونا من الخالدين ) .

[ ص: 40 ] والوجه الثاني : قال الواحدي : كان ابن عباس يقرأ (ملكين) ، ويقول : ما طمعا في أن يكونا ملكين ، لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ملكين ، وإنما أتاهما الملعون من جهة الملك ، ويدل على هذا قوله : ( هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) ( طه : 120 ) وأقول : هذا الجواب أيضا ضعيف ، وبيانه من وجهين :

الأول : هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة : فهل يقول ابن عباس : إن تلك القراءة المشهورة باطلة . أو لا يقول ذلك ؟ والأول باطل ؛ لأن تلك القراءة قراءة متواترة ، فكيف يمكن الطعن فيها .

وأما الثاني : فعلى هذا التقدير الإشكال باق ؛ لأن على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة ، وحينئذ يعود السؤال .

والوجه الثاني : أنه تعالى جعل سجود الملائكة والخلق له في أن يسكن الجنة ، وأن يأكل منها رغدا كيف شاء وأراد ، ولا مزيد في الملك على هذه الدرجة .

السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النبوة ؟

والجواب من وجوه :

الأول : أنا إذا قلنا إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم يدل على ذلك ولأن آدم حين طلب الوصول إلى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء ، وعلى هذا التقدير زال الاستدلال .

والثاني : إن بتقدير "أن" تكون هذه الواقعة وقعت في زمان النبوة ، فلعل آدم عليه السلام رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والشدة أو في خلقة الذات بأن يصير جوهرا نورانيا ، وفي أن يصير من سكان العرش والكرسي ، وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال .

السؤال الثالث : نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله : إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وفي قوله : وقاسمهما قال عمرو : قلت للحسن : فهل صدقاه في ذلك ؟ فقال الحسن : معاذ الله لو صدقاه لكانا من الكافرين ، ووجه السؤال أنه كيف يلزم هذا التكفير بتقدير أن يصدقا إبليس في ذلك القول .

والجواب : ذكروا في تقرير ذلك التكفير أنه عليه السلام لو صدق إبليس في الخلود لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة ، وإنه كفر . ولقائل أن يقول : لا نسلم أنه يلزم من ذلك التصديق حصول الكفر ؟ وبيانه من وجهين :

الأول : إن لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على الدوام ، وعلى هذا الوجه يندفع ما ذكروه .

الوجه الثاني : هب أن الخلود مفسر بالدوام ، إلا أنا لا نسلم أن اعتقاد الدوام يوجب الكفر وتقريره أن العلم بأنه تعالى هل يميت هذا المكلف أو لا يميته علم لا يحصل إلا من دليل السمع ، فلعله تعالى ما بين في وقت آدم عليه السلام أنه يميت الخلق ، ولما لم يوجد ذلك الدليل السمعي كان آدم عليه السلام يجوز دوام البقاء ، فلهذا السبب رغب فيه ، وعلى هذا التقدير : فالتكفير غير لازم .

السؤال الرابع : ثبت بما سبق أن آدم وحواء لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكفيرهما ، فهل يقولون : إنهما صدقاه فيه قطعا ؟ وإن لم يحصل القطع فهل يقولون إنهما ظنا أن الأمر كما قال ؟ أو ينكرون هذا الظن أيضا ؟

[ ص: 41 ] والجواب : إن المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعا وظنا ، بل الصواب أنهما إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة ، لا أنهما صدقاه علما أو ظنا كما نجد أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه ، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال .

السؤال الخامس : قوله : ( إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) هذا الترغيب والتطميع وقع في مجموع الأمرين أو في أحدهما .

والجواب : قال بعضهم : الترغيب كان في مجموع الأمرين ؛ لأنه أدخل في الترغيب .

وقيل : بل هو على ظاهره على طريقة التخيير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث