الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى من يضلل الله فلا هادي له

ثم قال تعالى :( يسألونك كأنك حفي عنها ) وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : في الحفي وجوه :

الأول : الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي : يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفيا ، والحفى الكلام واللقاء الحسن ، ومنه قوله تعالى :( إنه كان بي حفيا ) أي بارا لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته ، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي ، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره أن قريشا قالت لمحمد عليه السلام : إن بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة ، فقال تعالى :( يسألونك كأنك حفي عنها ) أي كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفيا بهم ما داموا على كفرهم .

والقول الثاني :( حفي عنها ) أي كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها ، وعلى هذا القول( حفي ) فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال ، ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه ، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في المسألة ، أي استقصى ، فقوله :( كأنك حفي عنها ) أي كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها ، قال صاحب الكشاف : هذا الترتيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب ، وإحفاء البقل استئصاله ، وأحفى في المسألة إذا ألحف ، وحفي بفلان وتحفى به بالغ في البر به ، وعلى هذا التقدير : فالقولان الأولان متقاربان .

المسألة الثانية : في قوله :( عنها ) وجهان :

الأول : أن يكون فيه تقديم وتأخير والتقدير : يسألونك عنها كأنك حفي بها ثم حذف قوله : "بها" لطول الكلام ولأنه معلوم لا يحصل الالتباس بسبب حذفه .

والثاني : أن يكون التقدير : يسألونك كأنك حفي بهم لأن لفظ الحفي يجوز أن يعدى تارة بالباء وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود ( كأنك حفي بها ) .

المسألة الثالثة : قوله :( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) سؤال عن وقت قيام الساعة وقوله ثانيا :( يسألونك كأنك حفي عنها ) سؤال عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهابتها ، فلم يلزم التكرار .

أجاب عن الأول بقوله :( إنما علمها عند ربي ) .

[ ص: 68 ] وأجاب عن الثاني بقوله :( إنما علمها عند الله ) والفرق بين الصورتين أن السؤال الأول كان واقعا عن وقت قيام الساعة ، والسؤال الثاني كان واقعا عن مقدار شدتها ومهابتها ، وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على غاية المهابة وهو قولنا : "الله" ، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله :( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وفيه وجوه :

أحدها : ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته المعين عن الخلق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث