الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المسألة الثانية : أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك المنافع ، واعلم أن منافع النعم منها ضرورية ، ومنها غير ضرورية ، والله تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية .

فالمنفعة الأولى : قوله : ( لكم فيها دفء ) وقد ذكر هذا المعنى في آية أخرى فقال : ( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ) [النحل : 80] والدفء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية ، قال الأصمعي : ويكون الدفء السخونة . يقال : أقعد في دفء هذا الحائط ، أي : في كنه . وقرئ : ( دف ) بطرح الهمزة ، وإلقاء حركتها على الفاء .

والمنفعة الثانية : قوله : ( ومنافع ) قالوا : المراد نسلها ودرها ، وإنما عبر الله تعالى عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف الأعم ; لأن النسل والدر قد ينتفع به في الأكل ، وقد ينتفع به في البيع بالنقود ، وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل .

والمنفعة الثالثة : قوله : ( ومنها تأكلون ) .

فإن قيل : قوله : ( ومنها تأكلون ) يفيد الحصر ، وليس الأمر كذلك ، فإنه قد يؤكل من غيرها ، وأيضا منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس ، فلم أخر منفعته في الذكر ؟

قلنا : الجواب عن الأول : أن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم ، وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر ، فيشبه غير المعتاد . وكالجاري مجرى التفكه ، ويحتمل أيضا أن غالب أطعمتكم منها ; لأنكم تحرثون بالبقر والحب والثمار التي تأكلونها منها ، وأيضا تكتسبون بإكراء الإبل [ ص: 182 ] وتنتفعون بألبانها ونتاجها وجلودها ، وتشترون بها جميع أطعمتكم .

والجواب عن السؤال الثاني : أن الملبوس أكثر بقاء من المطعوم ، فلهذا قدمه عليه في الذكر .

واعلم أن هذه المنافع الثلاثة هي المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام . وأما المنافع الحاصلة من الأنعام التي هي ليست بضرورية فأمور :

المنفعة الأولى : قوله تعالى : ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) الإراحة رد الإبل بالعشي إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا ، ويقال : سرح القوم إبلهم سرحا إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى . قال أهل اللغة : هذه الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث ، وكثر الكلأ ، وخرجت العرب للنجعة ، وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت .

واعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية ، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء ، وفرحت أربابها وعظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها .

فإن قيل : لم قدمت الإراحة على التسريح ؟

قلنا : لأن الجمال في الإراحة أكثر ; لأنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ، ثم اجتمعت في الحظائر حاضرة لأهلها بخلاف التسريح ، فإنها عند خروجها إلى المرعى تخرج جائعة عادمة اللبن ، ثم تأخذ في التفرق والانتشار ، فظهر أن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث