الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا )

قوله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ) فيه مسائل :

المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه :

الأول : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه ، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك . ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم ، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس .

الثاني : أن القوم إنما نازعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين : الكبر والحسد ، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد ، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية ، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر ، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق .

والثالث : أنه تعالى لما وصفهم بقوله : ( فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) [الإسراء : 60] بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ( لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم ، فهذا هو الكلام في كيفية النظم .

المسألة الثانية : اعلم أن هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة ، وهي : البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص ، والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة والأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة ولا بأس بتعديد بعض المسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص ؟ فظاهر لفظ الملائكة يفيد العموم إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السماوات ( وله يسجدون ) [الأعراف : 206] يوجب خروج ملائكة السماوات من هذا العموم .

المسألة الثانية : أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية ، وعلى التقدير الأول [ ص: 4 ] فآدم كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو الله تعالى ، وآدم كان قبلة للسجود ؟

المسألة الثالثة : أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا ؟ وإن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله ؟

المسألة الرابعة : هل كان إبليس كافرا من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ذلك الوقت ؟

المسألة الخامسة : الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك ؟

المسألة السادسة : شبهة إبليس في الامتناع من السجود أهو قوله ( أأسجد لمن خلقت طينا ) أو غيره ؟

المسألة السابعة : دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفا بربه ، إلا أنه وقع في الكفر بسبب الكبر والحسد ، ومنهم من أنكر وقال ما عرف الله البتة .

المسألة الثامنة : ما سبب حكمة إمهال إبليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة ؟

ولنرجع إلى التفسير فنقول : إنه تعالى حكى في هذه الآية عن إبليس نوعا واحدا من العمل ونوعين من القول ، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المراد من قوله : ( فسجدوا إلا إبليس ) وأما النوعان من القول :

فأولهما قوله ( أأسجد لمن خلقت طينا ) وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه ، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى .

والنوع الثاني من كلامه : قوله ( أرأيتك هذا الذي كرمت علي ) قال الزجاج : قوله ( أرأيتك ) معناه أخبرني ، وقد استقصينا [البحث] في تفسير هذه الكلمة في سورة الأنعام . وقوله ( هذا الذي كرمت علي ) فيه وجوه :

الأول : معناه : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي ، لم فضلته علي وأنا خير منه ؟ ثم اختصر الكلام لكونه مفهوما .

الثاني : يمكن أن يقال هذا مبتدأ محذوف منه حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي! وذلك على وجه الاستصغار والاستحقار ، وإنما حذف حرف الاستفهام لأن حصوله في قوله ( أرأيتك ) أغنى عن تكراره .

والوجه الثالث : أن يكون هذا مفعول أرأيت لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها ، كأنه قال على وجه التعجب والإنكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت علي ، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه علي ، هذا هو حقيقة هذه الكلمة . ثم قال تعالى حكاية [عنه] ( لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) وفيه مباحث :

البحث الأول : قرأ ابن كثير ( لئن أخرتني إلى يوم القيامة ) بإثبات الياء في الوصل والوقف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف ونافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف .

البحث الثاني : في الاحتناك قولان :

أحدهما : أنه عبارة عن الأخذ بالكلية ، يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية ، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية .

والثاني : أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها ، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، وقال أبو مسلم : الاحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه ، فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء . وعلى القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها .

البحث الثالث : قوله ( إلا قليلا ) هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله [ ص: 5 ] ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ قلنا فيه وجوه :

الأول : أنه سمع الملائكة يقولون ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) [البقرة : 30] فعرف هذه الأحوال .

الثاني : أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما ، فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم .

الثالث : أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة ، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازما . واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه .

ثم قال ( فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ) ونظيره قول موسى - عليه الصلاة والسلام - ( فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ) [طه : 97] فإن قيل أليس الأولى أن يقال : فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفورا ، ليكون هذا الضمير راجعا إلى قوله ( فمن تبعك ) ؟ . قلنا فيه وجوه :

الأول : التقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم .

والثاني : يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الالتفات .

والثالث : أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل .

فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس ، ثم قال ( جزاء موفورا ) وهذه اللفظة قد تجيء متعديا ولازما ، أما المتعدي فيقال : وفرته أفره وفرا وفرة فهو موفور [و] موفر ، قال زهير

ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم

واللازم كقوله : وفر المال يفر وفورا فهو وافر ، فعلى التقدير الأول : يكون المعنى جزاء موفورا موفرا .

وعلى الثاني : يكون المعنى جزاء موفورا وافرا ، وانتصب قوله ( جزاء ) على المصدر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث