الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك

ثم قال : ( وكفى بربك وكيلا ) وفيه بحثان :

البحث الأول : أنه تعالى لما مكن إبليس من أن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة ، وكان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان ، قال : ( وكفى بربك وكيلا ) ومعناه أن الشيطان وإن كان قادرا فالله تعالى أقدر منه وأرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله وإغوائه .

البحث الثاني : هذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة ، لأنه لو كان الإقدام على الحق والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه لوجب أن يقال : وكفى الإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان ، فلما لم يقل ذلك بل قال : ( وكفى بربك ) علمنا أن الكل من الله ، ولهذا قال المحققون : لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله . بقي في الآية سؤالان :

السؤال الأول : أن إبليس هل كان عالما بأن الذي تكلم معه بقوله : ( واستفزز من استطعت منهم ) هو إله العالم أو لم يعلم ذلك ؟ فإن علم ذلك ثم إنه تعالى قال : ( فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ) فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعا له من المعصية مع أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة ؟ وإن لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم ، فكيف قال : ( أرأيتك هذا الذي كرمت علي ) .

والجواب : لعله كان شاكا في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر بباله على سبيل الظن .

والسؤال الثاني : ما الحكمة في أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه من الوسوسة ؟ والحكيم إذا أراد أمرا وعلم أن شيئا من الأشياء يمنع من حصوله فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع ؟ .

والجواب : أما مذهبنا فظاهر في هذا الباب ، وأما المعتزلة فلهم قولان : قال الجبائي : علم الله تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون بتقدير أن لا يوجد إبليس ، وإذا كان كذلك لم يكن في وجوده [ ص: 9 ] مزيد مفسدة ، وقال أبو هاشم : لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة ، إلا أنه تعالى أبقاه تشديدا للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثواب ، وهذان الوجهان قد ذكرناهما في سورة الأعراف والحجر ، وبالغنا في الكشف عنهما ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث