الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المسألة السادسة : في إثبات أن النفس ليست بجسم من الدلائل السمعية .

الحجة الأولى : قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) ( الحشر : 19 ) ومعلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شيء آخر غير هذا البدن .

الحجة الثانية : قوله تعالى : ( أخرجوا أنفسكم ) ( الأنعام : 93 ) وهذا صريح أن النفس غير البدن وقد استقصينا في تفسير هذه فليرجع إليه .

الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) ( المؤمنون : 12 ) إلى قوله : ( فكسونا العظام لحما ) ( المؤمنون : 14 ) ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال : ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) [ المؤمنون : 14 ] وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية وذلك يدل على أن الروح شيء مغاير للبدن فإن قالوا : هذه الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) [ المؤمنون : 12 ] وكلمة من للتبعيض وهذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين ، قلنا : كلمة " من " أصلها لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلا من هذه السلالة ونحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من السلالة .

الحجة الرابعة : قوله : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) ( الحجر : 29 ) ميز تعالى بين البشرية وبين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء وتعديل المزاج والأشباح ، فلما ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله : ( من روحي ) دل ذلك على أن جوهر الروح معنى مغاير لجوهر الجسد .

الحجة الخامسة : قوله تعالى : ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) ( الشمس : 8 ) وهذه الآية صريحة في وجود شيء موصوف بالإدراك والتحريك حقا لأن الإلهام عبارة عن الإدراك ، وأما الفجور والتقوى فهو فعل ، وهذه الآية صريحة في أن الإنسان شيء واحد وهو موصوف أيضا بالإدراك والتحريك وموصوف أيضا بفعل الفجور تارة وفعل التقوى تارة أخرى ، ومعلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين فلا بد من إثبات جوهر آخر يكون موصوفا بكل هذه الأمور .

الحجة السادسة : قوله تعالى : ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ) ( الإنسان : 2 ) فهذا تصريح بأن الإنسان شيء واحد وذلك الشيء هو المبتلى بالتكاليف الإلهية والأمور الربانية وهو الموصوف بالسمع والبصر ، ومجموع البدن ليس كذلك ، وليس عضوا من أعضاء البدن كذلك ، فالنفس شيء مغاير لجملة البدن ومغاير لأجزاء البدن وهو موصوف بكل هذه الصفات ، واعلم أن الأحاديث [ ص: 44 ] الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد وبعد انفصالها من الأجساد كثيرة ، وكل ذلك يدل على أن النفس شيء غير هذا الجسد ، والعجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة ويروي هذه الأخبار الكثيرة ثم يقول توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان يعرف الروح وهذا من العجائب والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث