الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون

المسألة الثانية : خص بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح ; وذلك لأن أفضل الأعمال أدومها ، لكن أفضل الملائكة ملازمون للتسبيح على الدوام كما قال تعالى : ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) [ الأنبياء : 20 ] والإنسان ما دام في الدنيا لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح ، لكونه محتاجا إلى أكل وشرب وتحصيل مأكول ومشروب وملبوس ومركوب ، فأشار الله تعالى إلى أوقات إذا أتى العبد بتسبيح الله فيها يكون كأنه لم يفتر وهي الأول والآخر والوسط أول النهار وآخره ووسطه ، فأمر بالتسبيح في أول الليل ووسطه ، ولم يأمر بالتسبيح في آخر الليل ; لأن النوم فيه غالب ، والله من على عباده بالاستراحة بالنوم ، كما قال : ( ومن آياته منامكم بالليل ) [ الروم : 23 ] فإذا صلى في أول النهار تسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين إلى التسبيح ، ثم إذا صلى أربع ركعات وقت الظهر حسب له صرف أربع ساعات أخر فصارت ست ساعات ، وإذا صلى أربعا في أواخر النهار وهو العصر حسب له أربع أخرى فصارت عشر ساعات ، فإذا صلى المغرب والعشاء سبع ركعات أخر حصل له صرف سبع عشرة ساعة إلى التسبيح ، وبقي من الليل والنهار سبع ساعات وهي ما بين نصف الليل وثلثيه ; لأن ثلثيه ثمان ساعات ونصفه ست ساعات وما بينهما السبع ، وهذا القدر لو نام الإنسان فيه لكان كثيرا وإليه أشار تعالى بقوله : ( قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ) [ المزمل : 2 - 4 ] وزيادة القليل على النصف هي ساعة ؛ فيصير سبع ساعات مصروفة إلى النوم ، والنائم مرفوع عنه القلم ، فيقول الله : عبدي صرف جميع أوقات تكليفه في تسبيحي فلم يبق لكم أيها الملائكة عليهم المزية التي ادعيتم بقولكم : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) [ البقرة : 30 ] على سبيل الانحصار بل هم مثلكم ، فمقامهم مثل مقامكم في أعلى عليين .

واعلم أن في وضع الصلاة في أوقاتها وعدد ركعاتها واختلاف هيئاتها حكمة بالغة ، أما في عدد الركعات فما تقدم من كون الإنسان يقظان في سبع عشرة ساعة ففرض عليه سبع عشرة ركعة ، وأما على مذهب أبي حنيفة حيث قال بوجوب الوتر ثلاث ركعات وهو أقرب للتقوى ، فنقول هو مأخوذ من أن الإنسان ينبغي أن يقلل نومه فلا ينام إلا ثلث الليل مأخوذا من قوله تعالى : ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ) [ المزمل : 20] ويفهم من هذا أن قيام ثلثي الليل مستحسن مستحب مؤكد باستحباب ولهذا قال عقيبه : ( علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ) [ المزمل : 20 ] ذكر بلفظ التوبة ، وإذا كان كذلك يكون الإنسان يقظان في عشرين ساعة فأمر بعشرين ركعة ، وأما النبي - عليه السلام - فلما كان من شأنه أن لا ينام أصلا كما قال : " تنام عيناي ولا ينام قلبي " جعل له كل الليل كالنهار ، فزيد له التهجد فأمر به ، وإلى هذا أشار تعالى في قوله : ( ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ) [ الإنسان : 26 ] أي كل الليل لك [ ص: 93 ] للتسبيح ، فصار هو في أربع وعشرين ساعة مسبحا ، فصار من الذين لا يفترون طرفة عين ، وأما في أوقاته فما تقدم أيضا أن الأول والآخر والوسط هو المعتبر فشرع التسبيح في أول النهار وآخره ، وأما الليل فاعتبر أوله ووسطه كما اعتبر أول النهار ووسطه ، وذلك لأن الظهر وقته نصف النهار والعشاء وقته نصف الليل ; لأنا بينا أن الليل المعتبر هو المقدار الذي يكون الإنسان فيه يقظان وهو مقدار خمس ساعات فجعل وقته في نصف هذا القدر وهو الثلاثة من الليل ، وأما أبو حنيفة لما رأى وجوب الوتر كان زمان النوم عنده أربع ساعات وزمان اليقظة بالليل ثمان ساعات وأخر وقت العشاء الآخرة إلى الرابعة والخامسة ، ليكون في وسط الليل المعتبر ، كما أن الظهر في وسط النهار ، وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان ليله نهارا ونومه انتباها قال : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وتأخير العشاء إلى نصف الليل " ليكون الأربع في نصف الليل كما أن الأربع في نصف النهار ، وأما التفصيل فالذي يتبين لي أن النهار اثنتا عشرة ساعة زمانية ، والصلاة المؤداة فيها عشر ركعات فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما في أول الليل ويؤدي ركعة من صلاة الليل ; ليكون ابتداء الليل بالتسبيح كما كان ابتداء النهار بالتسبيح ، ولما كان المؤدى من تسبيح النهار في أوله ركعتين كان المؤدى من تسبيح الليل في أوله ركعة ; لأن سبح النهار طويل مثل ضعف سبح الليل ; لأن المؤدى في النهار عشرة والمؤدى في الليل من تسبيح الليل خمس .

ا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث