الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث

( خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر )

ثم قال تعالى : ( خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ) وفيه قراءات خاشعا وخاشعة وخشعا ، فمن قرأ " خاشعا " على قول القائل : يخشع أبصارهم على ترك التأنيث لتقدم الفعل ، ومن قرأ " خاشعة " على قوله : ( خاشعة أبصارهم ) [ القلم : 43 ] ومن قرأ خشعا فله وجوه .

أحدها : على قول من يقول : يخشعن أبصارهم على طريقة من يقول : أكلوني البراغيث .

ثانيها : في ( خشعا ) ضمير " أبصارهم " بدل عنه ، تقديره يخشعون أبصارهم على بدل الاشتمال كقول القائل : أعجبوني حسنهم .

ثالثها : فيه فعل مضمر يفسره يخرجون تقديره يخرجون خشعا أبصارهم على بدل الاشتمال والصحيح خاشعا ، روي أن مجاهدا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له : يا نبي الله خشعا أبصارهم أو خاشعا أبصارهم ؟ فقال عليه السلام : ( خاشعا ) ، ولهذه القراءة وجه آخر أظهر مما قالوه وهو أن يكون " خشعا " منصوبا على أنه مفعول بقوله : ( يوم يدعو الداعي ) خشعا أي يدعو هؤلاء ، فإن قيل : هذا فاسد من وجوه :

أحدها : أن التخصيص لا فائدة فيه ؛ لأن الداعي يدعو كل أحد .

ثانيها : قوله : ( يخرجون من الأجداث ) بعد الدعاء فيكونون خشعا قبل الخروج ، وإنه باطل .

ثالثها : قراءة " خاشعا " تبطل هذا .

نقول : أما الجواب عن الأول فهو أن يقال : قوله : ( إلى شيء نكر ) يدفع ذلك لأن كل [ ص: 31 ] أحد لا يدعى إلى شيء نكر ، وعن الثاني المراد : " من شيء نكر " الحساب العسر يعني يوم يدعو الداعي إلى الحساب العسر خشعا ولا يكون العامل في : ( يوم يدعو ) " يخرجون " بل اذكروا ، أو : ( فما تغن النذر ) كما قال تعالى : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) [ المدثر : 48 ] ويكون يخرجون ابتداء كلام ، وعن الثالث أنه لا منافاة بين القراءتين ؛ و" خاشعا " نصب على الحال أو على أنه مفعول " يدعو " كأنه يقول : يدعو الداعي قوما خاشعا أبصارهم والخشوع السكون قال تعالى : ( وخشعت الأصوات ) [ طه : 108 ] وخشوع الأبصار سكونها على كل حال لا تنفلت يمنة ولا يسرة كما في قوله تعالى : ( لا يرتد إليهم طرفهم ) [ إبراهيم : 43 ] .

وقوله تعالى : ( يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ) مثلهم بالجراد المنتشر في الكثرة والتموج ، ويحتمل أن يقال : المنتشر مطاوع نشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعفهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث