الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل النجاسات المغلظة

جزء التالي صفحة
السابق

( 981 ) فصل : وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها ، في ثلاثة مواضع ; أحدها ، محل الاستنجاء ، فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء ، واستيفاء العدد ، بغير خلاف نعلمه . واختلف أصحابنا في طهارته ، فذهب أبو عبد الله بن حامد ، وأبو حفص بن المسلمة ، إلى طهارته . وهو ظاهر كلام أحمد ; فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله : لا بأس به . ولو كان نجسا لنجسه ، ووجه ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم { ، في الروث والرمة : إنهما لا يطهران } . مفهومه أن غيرهما يطهر ، ولأنه معنى يزيل حكم النجاسة ، فيزيلها كالماء . وقال أصحابنا المتأخرون : لا يطهر المحل ، بل هو نجس ، فلو قعد المستجمر في ماء يسير نجسه ، ولو عرق كان عرقه نجسا ; لأن المسح لا يزيل أجزاء النجاسة كلها ، فالباقي منها نجس ، لأنه عين النجاسة ، فأشبه ما لو وجد في المحل وحده .

الثاني : أسفل الخف والحذاء ، إذا أصابته نجاسة ، فدلكها بالأرض حتى زالت عين النجاسة ففيه ثلاث روايات : إحداهن ، يجزئ دلكه بالأرض ، وتباح الصلاة فيه . وهو قول الأوزاعي ، وإسحاق ; لما روى أبو داود ، بإسناده عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب } . وفي لفظ { : إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى ، فإن التراب له طهور } . وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، وعن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى ، فليمسحه ، وليصل فيهما } . وعن ابن مسعود قال : كنا لا نتوضأ من موطئ . رواهما أبو داود . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا [ ص: 412 ] يصلون في نعالهم .

قال أبو مسلمة سعيد بن يزيد : سألت أنس بن مالك : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ؟ قال : نعم . متفق عليه . والظاهر أن النعل لا تخلو من نجاسة تصيبها ، فلو لم يجزئ دلكها لم تصح الصلاة فيها . والثانية ، يجب غسله كسائر النجاسات ; فإن الدلك لا يزيل جميع أجزاء النجاسة . والثالثة يجب غسله من البول والعذرة دون غيرهما ; لتغلظ نجاستهما وفحشهما . والأول أولى ، لأن اتباع الأثر واجب . فإن قيل : فقول النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه ، إن فيهما قذرا . يدل على أنه لم يجز دلكهما ، ولم يزل القذر منهما .

قلنا : لا دلالة في هذا ; لأنه لم ينقل أنه دلكهما ، والظاهر أنه لم يدلكهما ; لأنه لم يعلم بالقذر فيهما ، حتى أخبره جبريل عليه السلام ، إذا ثبت هذا ، فإن دلكهما يطهرهما في قول ابن حامد ; لظاهر الأخبار وقال غيره : يعفى عنه مع بقاء نجاسته ، كقولهم في أثر الاستنجاء . وقال القاضي : إنما يجزئ دلكهما بعد جفاف نجاستهما ; لأنه لا يبقى لها أثر وإن دلكهما قبل جفافهما لم يجزه ذلك ; لأن رطوبة النجاسة باقية فلا يعفى عنها .

وظاهر الأخبار لا يفرق بين رطب وجاف . ولأنه محل اجتزئ فيه بالمسح ، فجاز في حال رطوبة الممسوح كمحل الاستنجاء ، ولأن رطوبة المحل معفو عنها إذا جفت قبل الدلك ، فيعفى عنها إذا جفت به كالاستجمار . الثالث : إذا جبر عظمه بعظم نجس فجبر ، لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر ، وأجزأته صلاته ، لأنها نجاسة باطنة يتضرر بإزالتها ، فأشبهت دماء العروق . وقيل : يلزمه قلعه ، ما لم يخف التلف . وإن سقط سن من أسنانه فأعادها بحرارتها ، فثبتت ، فهي طاهرة ; لأنها بعضه ، والآدمي بجملته طاهر حيا وميتا ، فكذلك بعضه . وقال القاضي : هي نجسة ، حكمها حكم سائر العظام النجسة ; لأن ما أبين من حي فهو ميت . وإنما حكم بطهارة الجملة لحرمتها ، وحرمتها آكد من حرمة البعض ، فلا يلزم من الحكم بطهارتها الحكم بطهارة ما دونها .

( 982 ) فصل : وإذا كان على الأجسام الصقيلة ، كالسيف والمرآة نجاسة ، فعفي عن يسيرها ، كالدم ونحوه ، عفي عن أثر كثيرها بالمسح ; لأن الباقي بعد المسح يسير . وإن كثر محله ، عفي عنه ، كيسير غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث