الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة قال إن تزوجت فلانة فهي طالق

جزء التالي صفحة
السابق

1963 - مسألة : ومن قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق ، أو قال : فهي طالق ثلاثا - فكل ذلك باطل ، وله أن يتزوجها ولا تكون طالقا .

وكذلك لو قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق - وسواء عين مدة قريبة أو بعيدة أو قبيلة أو بلدة - كل ذلك باطل لا يلزم . [ ص: 467 ]

وقد اختلف الناس في هذا - : فقالت طائفة : يلزمه كل ذلك .

وقالت طائفة : إن عين قبيلة أو بلدة أو امرأة أو مدة قريبة يعيش إليها لزمه ، فإن عم لم يلزمه .

وقالت طائفة : يكره له أن يتزوجها ، فإن تزوجها لم نمنعه ، ولم نفسخه .

فممن روي عنه قولنا كما رويناه من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن علي بن أبي طالب قال " لا طلاق إلا من بعد نكاح وإن سماها فليس بطلاق " .

ومن طريق أبي عبيد نا هشيم نا المبارك بن فضالة عن الحسن عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن رجل قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق ؟ فقال علي : ليس طلاق إلا من بعد ملك .

ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال : سمعت عطاء يقول : قال ابن عباس ، لا طلاق إلا من بعد نكاح " ، قال عطاء : فإن حلف بطلاق ما لم ينكح فلا شيء - قال ابن جريج : بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول : إن طلق ما لم ينكح فهو جائز ؟ فقال ابن عباس : أخطأ في هذا - إن الله عز وجل يقول : { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } ولم يقل إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن .

ومن طريق وكيع عن ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر ، وعطاء بن أبي رباح ، كلاهما عن جابر بن عبد الله يرفعه { لا طلاق قبل نكاح } .

وصح عن طاوس ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، وقتادة والحسن ، ووهب بن منبه ، وعلي بن الحسين ، والقاسم بن عبد الرحمن ، وشريح القاضي .

وروي أيضا عن عائشة أم المؤمنين وعكرمة - وهو قول سفيان بن عيينة ، وعبد الرحمن بن مهدي ، والشافعي ، وأصحابه ، وأحمد ، وأصحابه ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي سليمان ، وأصحابه ، وجمهور أصحاب الحديث .

وأما من كره ذلك ولم يفسخه - : كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد بن أبي بكر فيمن قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، [ ص: 468 ] فكرهه - وهو قول الأوزاعي - وروي عنه أنه قال : إن تزوجها لم آمره بفراقها ، وإن كان لم يتزوجها لم آمره أن يتزوجها - وهو قول سفيان الثوري ، فقيل له : أحرام هو ؟ فقال : ومن يقول : إنه حرام ، من رخص فيه أكثر ممن شدد فيه - وبه يقول أبو عبيد .

والقول الثالث - في الفرق بين التخصيص والعموم - : روينا من طريق مالك عن سعيد بن عمرو بن سليم عن القاسم بن محمد أن رجلا قال : إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي ، فتزوجها ، فقال له عمر بن الخطاب : لا تقربها حتى تكفر .

قال أبو محمد : ليس هذا موافقا لهم ، لأنه قد روي عن عمر : أنه وإن عم فهو لازم فذكره بعد هذا - إن شاء الله عز وجل ، بلغني عن ابن مسعود أنه قال : من قال : كل امرأة أنكحها فهي طالق إن لم يسم قبيلة أو قرية أو امرأة بعينها فليس بشيء - وقد ذكرناه قبل عن ابن مسعود مجملا .

ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن محمد بن قيس - هو المرهبي - قال : سألت إبراهيم النخعي عن رجل قال في امرأة : إن تزوجتها فهي طالق ، فذكر إبراهيم عن علقمة أو عن الأسود : أن ابن مسعود قال : هي كما قال - ثم سألت الشعبي وذكرت له قول إبراهيم النخعي ؟ فقال : صدق .

ومن طريق أبي عبيد عن هشيم نا مغيرة عن إبراهيم النخعي فيمن قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ؟ قال : ليس بشيء ، هذا رجل حرم المحصنات على نفسه : فليتزوج ، قال : فإن سماها أو نسبها ، أو سمى مصرا ، أو وقت وقتا ، فهي كما قال .

ومن طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال : إن قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، فليس بشيء ، فإن وقت لزمه .

ومن طريق أبي عبيد نا محمد بن كثير عن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء ، قال : من قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق ، فهي كما قال - .

وهو قول الحكم بن عتيبة ، وربيعة ، والحسن بن حي ، والليث بن سعد ، ومالك ، وأصحابه . [ ص: 469 ]

والقول الرابع - أنه يلزمه ، وإن عم - : روينا من طريق عبد الرزاق عن ياسين الزيات عن أبي محمد عن عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن رجلا قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ؟ فقال له عمر بن الخطاب : هو كما قلت .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فيمن قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ؟ وكل أمة أشتريها فهي حرة ؟ قال الزهري : هو كما قال .

ومن طريق أبي عبيد نا يحيى بن سعيد القطان ، ويزيد بن هارون ، كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، قال : كان القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز : يرون الطلاق قبل النكاح كما قال .

ومن طريق أبي عبيد نا مروان عن شجاع عن خصيف قال : سألت مجاهدا عن قول من قال : طلق قبل أن يملك فعابه مجاهد ، وقال : ما له طلاق إلا بعدما ملك - وهو قول عثمان البتي ، وأبي حنيفة . قال أبو محمد : فنظرنا فيما احتج به من أجازه بكل حال ؟ فوجدنا قائلهم قال : لا تخالفوننا فيمن قال لامرأته : أنت طالق إذا بنت مني - : أنه ليس شيئا - فصح أن الطلاق معلق بالوقت الذي أضيف إليه ؟ قال أبو محمد : هذا فاسد ، لأنه لم يخرج الطلاق كما أمر ، بل لم يوقعه حين نطق به ، وأوقعه حيث لا يقع ؟ فهو باطل فقط .

وقالوا : قسناه على النذر ؟ قلنا : القياس كله باطل - ثم لو صح لكان هذا منه باطلا ، لأن النذر جاء فيه النص ، ولم يأت في تقديم الطلاق قبل النكاح نص - .

والنذر شيء يتقرب به إلى الله عز وجل ، وليس الطلاق مما يتقرب به إلى الله عز وجل ، ولا مما ندب الله تعالى عباده إليه ، وحضهم عليه .

وهم لا يخالفوننا في أن من قال : علي نذر لله تعالى أن أطلق زوجتي - : أنه لا يلزمه طلاقها - وهذا يبطل عليهم تمويههم في ذلك بقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } [ ص: 470 ] لأن الطلاق عقد لا يلزم الوفاء به لمن عقده على نفسه - بمعنى عقد أن يطلق ، إلا أنه لم يطلق ، فليس الطلاق من العقود التي أمر الله تعالى بالوفاء بها قبل أن توقع ؟ وقالوا : قسناه على الوصية ؟ قال أبو محمد : وهذا من أرذل قياساتهم وأظهرها فسادا ، إلا أن الوصية نافذة بعد الموت ، ولو طلق الحي بعد موته لم يجز .

والوصية قربة إلى الله عز وجل ، بل هي فرض والطلاق ليس فرضا ولا مندوبا إليه - وما وجدنا لهم شغبا غير هذا .

وهو قول لم يصح عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - لأن الرواية عن عمر موضوعة ، فيها ياسين - وهو هالك - وأبو محمد - مجهول - ثم هو منقطع بين أبي سلمة ، وعمر .

ثم نظرنا في قول من ألزمه إن خص ، ولم يلزمه إن عم ، فوجدناه فرقا فاسدا ، ومناقضة ظاهرة ، ولم نجد لهم حجة أكثر من قولهم : إذا عم فقد ضيق على نفسه ؟ فقلنا : ما ضيق ، بل له في الشراء فسحة ، ثم هبك أنه قد ضيق فأين وجدتم أن الضيق في مثل هذا يبيح الحرام ؟ وأيضا - فقد يخاف في امتناعه من نكاح التي خص طلاقها إن تزوجها أكثر مما يخاف لو عم لكلفه بها - فوضح فساد هذا القول لتعريه عن البرهان جملة .

ووجدناه أيضا - لا يصح عن أحد من الصحابة ، لأنه إما منقطع ، وإما من طريق محمد بن قيس المرهبي - وليس بالمشهور ثم رجعنا إلى قولنا فوجدنا الله تعالى يقول : { إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن }

وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } فلم يجعل الله تعالى الطلاق إلا بعد عقد النكاح .

ومن الباطل أن لا يقع الطلاق حين إيقاعه ، ثم يقع حين لم يوقعه إلا ببرهان واضح - ووجدناه إنما طلق أجنبية ، وطلاق الأجنبية باطل .

والعجب - أن المخالفين لنا أصحاب قياس بزعمهم ، ولا يختلفون فيمن قال [ ص: 471 ] لامرأته : إن طلقتك فأنت مرتجعة مني ، فطلقها : أنها لا تكون مرتجعة حتى يبتدئ النطق بارتجاعه لها .

ووجدناهم - لا يختلفون فيمن قال : إذا قدم أبي فزوجيني من نفسك فقد قبلت نكاحك ؟ فقالت هي - وهي مالكة أمر نفسها - وأنا إذا جاء أبوك فقد تزوجتك ورضيت بك زوجا ، فقدم أبوه ، فإنه ليس بينهما بذلك نكاح أصلا .

ولا يختلفون فيمن قال لآخر : إذا كسبت مالا فأنت وكيلي في الصدقة به ، فكسب مالا ، فإنه لا يكون الآخر وكيلا في الصدقة به إلا حتى يبتدئ اللفظ بتوكيله ، فلا ندري من أين وقع لهم جواز تقديم الطلاق ، والظهار ، قبل النكاح ؟ - وحسبنا الله ونعم الوكيل .

وكذلك لا يختلفون فيمن قال لآخر : زوجني ابنتك إن ولدت لك من فلانة ؟ فقال الآخر : نعم ، قد زوجتك ابنتي - إن ولدتها لي فلانة - فولدت له فلانة ابنة ، فإنها لا تكون له بذلك زوجة .

وقد جاء إنفاذ هذا النكاح عن ابن مسعود ، والحسن - : رويناه من طريق حماد بن سلمة أخبرني يحيى بن سعيد التيمي عن الشعبي عن ابن مسعود بذلك وقضى لها بصداق إحدى نسائها - ولا يعرف لابن مسعود في ذلك مخالف من الصحابة - رضي الله عنهم .

ولا يختلفون فيمن قال لآخر : إذا وكلتني بطلاق امرأتك فلانة فقد طلقتها ثلاثا ، ثم وكله الزوج بطلاقها ، أنها لا تكون بذلك طالقا .

ولا يختلفون فيمن قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا ، فتزوجها فطلقها إثر تمام العقد ثلاثا ، ثم أتت بولد لتمام ستة أشهر من حين ذلك ، فإنه لاحق به .

وهذه كلها مناقضات فاسدة : - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث