الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          250 - مسألة :

                                                                                                                                                                                          وصفة التيمم للجنابة وللحيض ولكل غسل واجب وللوضوء صفة عمل واحد ، إنما يجب في كل ذلك أن ينوي به الوجه الذي تيمم له ، من طهارة للصلاة أو جنابة أو إيلاج في الفرج أو طهارة من حيض أو من نفاس أو ليوم الجمعة أو من غسل الميت ، ثم يضرب الأرض بكفيه متصلا بهذه النية ثم ينفخ فيهما ويمسح وجهه وظهر كفيه إلى الكوعين بضربة واحدة فقط ، وليس عليه استيعاب الوجه ولا الكفين ولا يمسح في شيء من التيمم ذراعيه ولا رأسه ولا رجليه ولا شيئا من جسمه . أما النية فقد ذكرنا وجوبها قبل ، وقال أبو حنيفة يجزئ الوضوء وغسل الجنابة بلا نية ، ولا يجزئ التيمم فيهما إلا بنية ، وقال الحسن بن حي : كل ذلك يجزئ بلا نية ، وأما كون عمل التيمم للجنابة وللحيض وللنفاس ولسائر ما ذكرنا - كصفته لرفع الحدث فإجماع لا خلاف فيه من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال وبالتيمم لها . [ ص: 369 ]

                                                                                                                                                                                          وأما سقوط مسح الرأس والرجلين وسائر الجسد في التيمم فإجماع متيقن ، إلا شيئا فعله عمار بن ياسر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاه عنه عليه السلام ، وفي سائر ذلك اختلاف ، وهو أن قوما قالوا بأن التيمم ضربتان ولا بد ، وقالت طائفة عليه استيعاب الوجه والكفين ، وقالت طائفة عليه استيعاب ذراعيه إلى الآباط ، وقال آخرون إلى المرافق .

                                                                                                                                                                                          فأما الذين قالوا : إن التيمم ضربتان واحدة للوجه والأخرى لليدين والذراعين إلى المرافق ، فإنه احتجوا بحديث من طريق أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التيمم { ضربتان ضربة للوجه وأخرى للذراعين } وبحديث من طريق عمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إلى المرفقين " وبحديث من طريق ابن عمر قال { سلم رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكة من السكك فلم يرد عليه ثم ضرب بيديه عليه السلام على الحائط ومسح بهما وجهه ، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل ، وقال عليه السلام : إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر } .

                                                                                                                                                                                          ثم بحديث الأسلع رجل من بني الأعرج بن كعب قال { قلت يا رسول الله أصابتني جنابة . فسكت عليه السلام حتى جاءه جبريل بالصعيد ، فقال : قم يا أسلع فارحل ، قال : ثم علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم ، فضرب بكفيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه حتى أمر على لحيته ، ثم أعادها إلى الأرض فمسح كفيه الأرض فدلك إحداهما بالأخرى ثم نفضهما ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما . }

                                                                                                                                                                                          وبحديث عن أبي ذر قال { وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه على الأرض ثم نفضهما ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المرفقين } ليس في هذا الخبر إلا ضربة واحدة وبحديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم { ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين } وبحديث عن الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين } . [ ص: 370 ]

                                                                                                                                                                                          وقالوا : قد صح عن عمر بن الخطاب وعن جابر بن عبد الله وعن ابن عمر ، من فتياهم وفعلهم أن التيمم ضربتان ، ضربة للوجه وضربة للذراعين واليدين ، قالوا والتيمم بدل من الوضوء ، فلما كان يجدد الماء للوجه وماء آخر للذراعين وجب كذلك في التيمم ، ولما كان الوضوء إلى المرفقين وجب أن يكون التيمم الذي هو بدله كذلك .

                                                                                                                                                                                          هذا كل ما شغبوا به ، وكله لا حجة لهم فيه .

                                                                                                                                                                                          أما الأخبار فكلها ساقطة ، لا يجوز الاحتجاج بشيء منها .

                                                                                                                                                                                          أما حديث أبي أمامة فإننا رويناه من طريق ابن وهب عن محمد بن عمرو اليافعي عن رجل حدثه عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة ، ففيه علتان : إحداهما القاسم وهو ضعيف ، والثانية أن محمد بن عمرو لم يسم من أخبره به عن جعفر بن الزبير وقد دلسه بعض الناس فقال : عن محمد بن عمرو عن جعفر . ومحمد لم يدرك جعفر بن الزبير فسقط هذا الخبر . وأما حديث عمار فإننا رويناه من طريق أبان بن يزيد العطار عن قتادة قال : حدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار ، فلم يسم قتادة من حدثه . والأخبار الثابتة كلها عن عمار بخلاف هذا ، فسقط هذا الخبر أيضا .

                                                                                                                                                                                          وأما حديث ابن عمر فإننا رويناه من طريق محمد بن إبراهيم الموصلي عن محمد بن ثابت العبدي عن نافع عن ابن عمر ، ومحمد بن ثابت العبدي ضعيف لا يحتج بحديثه ، ثم لو صح لكان حجة عليهم ، لأن فيه التيمم في الحضر للصحيح ، والتيمم لرد السلام ، وترك رد السلام على غير طهارة ، وهم لا يقولون بشيء من هذا كله ، ومن المقت احتجاج امرئ بما لا يراه لا هو ولا خصمه حجة واحتجاجه بشيء هو أول مخالف له ، فإن كان هذا الخبر حجة في التيمم إلى المرفقين ، فهو حجة في ترك رد السلام إلا على طهر ، وفي التيمم بين الحيطان في المدينة لرد السلام ، وإن لم يكن حجة في هذا فليس حجة فيما احتجوا به .

                                                                                                                                                                                          فإن قالوا : هو على الندب ، قلنا : وكذلك قولوا في صفة التيمم فيه مرتين وإلى المرفقين أنه على الندب ولا فرق ، فسقط هذا الخبر أيضا .

                                                                                                                                                                                          وأما حديث الأسلع ففي غاية السقوط ; لأننا رويناه من طريق [ ص: 371 ] يحيى بن عبد الحميد الحماني عن عليلة - هو الربيع - عن أبيه عن جده عن الأسلع ، وكل من ذكرنا فليسوا بشيء ولا يحتج بهم .

                                                                                                                                                                                          وأما حديث أبي ذر فإنا رويناه من طريق ابن جريج عن عطاء : حدثني رجل أن أبا ذر ، وهذا كما ترى ، لا ندري من ذلك الرجل ، فسقط هذا الخبر أيضا .

                                                                                                                                                                                          وأما حديث ابن عمر الثاني فرويناه من طريق شبابة بن سوار عن سليمان بن داود الحراني عن سالم ونافع عن ابن عمر ، وسليمان بن داود الحراني ضعيف لا يحتج به .

                                                                                                                                                                                          وأما حديث الواقدي فأسقط من أن يشتغل به ، لأنه عن الواقدي وهو مذكور بالكذب ثم مرسل من عنده ، فسقط كل ما موهوا به من الآثار

                                                                                                                                                                                          وأما احتجاجهم بما صح من ذلك عن عمر وابن عمر وجابر ، فقد صح عن عمر وابن مسعود : لا يتيمم الجنب وإن لم يجد الماء شهرا ، وقد صح عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وأم سلمة وغيرهم المسح على العمامة ، فلم يلتفتوا إلى ذلك ، فما الذي جعلهم حجة حيث يشتهي هؤلاء ، ولم يجعلهم حجة حيث لا يشتهون ؟ هذا موجب للنار في الآخرة وللعار في الدنيا ، فكيف وقد خالف في هذه المسألة عمر وابنه وجابرا علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار وابن عباس ، على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى ، فسقط تعلقهم بالصحابة رضي الله عنهم .

                                                                                                                                                                                          وأما قولهم إن التيمم بدل من الوضوء ، فيقال لهم : فكان ماذا ؟ ومن أين وجب أن يكون البدل على صفة المبدل منه ؟ وإن كان هذا فأنتم أول مخالف لهذا الحكم الذي قضيتم أنه حق ، فأسقطتم في التيمم الرأس والرجلين ، وهما فرضان في الوضوء وأسقطتم جميع الجسد في التيمم للجنابة وهو فرض في الغسل ، وأوجبتم أن يحمل الماء إلى الأعضاء في الوضوء ، ولم توجبوا حمل شيء من التراب إلى الوجه والذراعين في التيمم ، وأسقط أبو حنيفة منهم النية في الوضوء والغسل وأوجبها في التيمم ، ثم أين وجدتم في القرآن أو السنة أو الإجماع أن البدل لا يكون إلا على صفة المبدل منه ؟ وهل هذا إلا دعوى فاسدة كاذبة ؟ وقد وجدنا الرقبة واجبة في الظهار وفي كفارة اليمين وكفارة قتل الخطأ وكفارة المجامع عمدا نهارا في رمضان وهو صائم ، ثم عوضها الله تعالى وأبدل من رقبة الكفارة صيام ثلاثة أيام ومن رقاب القتل والجماع والظهار صيام [ ص: 372 ] شهرين متتابعين ، وعوض من ذلك إطعاما في الظهار والجماع ، ولم يعوضه في القتل ، وهكذا في كل شيء .

                                                                                                                                                                                          فإن قالوا : قسنا التيمم على الوضوء ، قلنا : القياس كله باطل ، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل ، وهلا قستم ما يتيمم من اليدين على ما يقطع من اليدين في السرقة كما تركتم أن تقيسوا ما يستباح به فرج الحرة في النكاح على ما يستباح به فرج الأمة في البيع ، وقستموه على ما تقطع فيه يد السارق لا سيما وقد فرقتم بالنص والإجماع بين حكم التيمم وبين الوضوء في سقوط الرأس والرجلين في التيمم دون الوضوء ، وسقوط الجسد كله في التيمم دون الغسل .

                                                                                                                                                                                          ويقال لهم كما جعلتم سكوت الله تعالى عن ذكر الرأس والرجلين في التيمم دليلا على سقوط ذلك فيه ولم تقيسوه على الوضوء ، فهلا جعلتم سكوته تعالى عن ذكر التحديد إلى المرافق في التيمم دليلا على سقوط ذلك ، ولا تقيسوه على الوضوء ؟ كما فعل أبو حنيفة وأصحابه في سكوت الله تعالى عن دين الرقبة في الظهار ، ولم يقيسوها على المنصوص عليها في رقبة القتل ، وإذا قستم التيمم للوضوء على الوضوء فقيسوا التيمم للجنابة على الجنابة ، فعموا به الجسد وهذا ما لا مخلص منه .

                                                                                                                                                                                          وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وقد رأى قوم أن التيمم ضربتان ، ضربة للوجه وضربة للكفين فقط ، واحتجوا بحديث رويناه من طريق حرمي بن عمارة ثنا الحريش بن الخريت أخو الزبير بن الخريت حدثنا عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة أم المؤمنين { نزلت آية التيمم فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربة ومسح بها وجهه ، ثم ضرب على الأرض أخرى فمسح بها كفيه } .

                                                                                                                                                                                          وبحديث رويناه من طريق شبابة بن سوار عن سليمان بن داود الحراني عن سالم ونافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التيمم { ضربة للوجه وضربة للكفين . }

                                                                                                                                                                                          قال علي : وهذا لا شيء ; لأن أحدهما من طريق الحريش بن الخريت وهو ضعيف ، والثاني من طريق سليمان بن داود الحراني وهو ضعيف .

                                                                                                                                                                                          وممن رأى أن التيمم ضربتان ضربة للوجه والأخرى لليدين والذراعين إلى [ ص: 373 ] المرفقين : الحسن البصري وأبو حنيفة وأصحابه ، وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن حي .

                                                                                                                                                                                          والشافعي وأبو ثور قالا : إلا أن يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ذلك فنقول به ، واختلف في ذلك عن الشعبي . وقال إبراهيم : أحب إلي أن يكون إلى المرفقين ، ولهذا قال مالك ، ولم ير على من تيمم إلى الكوعين أن يعيد الصلاة إلا في الوقت .

                                                                                                                                                                                          وقد ذهب قوم إلى أن التيمم إلى المناكب ، واحتجوا بما رويناه من طريق العباس بن عبد العظيم عن عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد عن عمه جويرية بن أسماء عن مالك بن أنس عن الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار بن ياسر قال : { تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب } ورويناه أيضا من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد : ثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس { عن عمار بن ياسر - فذكر نزول آية التيمم قال : فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا أيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط . }

                                                                                                                                                                                          وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري : حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار ، وبه كان يقول عمار والزهري ، روينا من طريق سليمان بن حرب الواشحي ، ثنا حماد بن زيد عن أيوب السختياني قال : سمعت الزهري يقول : التيمم إلى المنكبين .

                                                                                                                                                                                          قال علي : هذا أثر صحيح إلا أنه ليس فيه نص ببيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فيكون ذلك حكم التيمم وفرضه ، ولا نص بيان بأنه عليه السلام علم بذلك فأقره ، فيكون ذلك ندبا مستحبا ، ولا حجة في فعل أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن العجب ليطول ممن يرى إنكار عمر على عثمان إن لم يصل الغسل بالرواح إلى [ ص: 374 ] الجمعة بحضرة الصحابة رضي الله عنهم : حجة في إبطال وجوب الغسل ، وهذا الخبر مؤكد لوجوبه منكر لتركه ، ثم لا يرى عمل المسلمين في التيمم إلى المناكب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة في وجوب ذلك قال علي : فإذ لا حجة في شيء من هذه الآثار - وقد اختلف الناس كما ذكرنا - فالواجب الرجوع إلى ما افترض الله الرجوع إليه من القرآن والسنة عند التنازع ، ففعلنا فوجدنا الله تعالى يقول : { فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } فلم يحد الله تعالى غير اليدين ، ونحن على يقين من أن الله تعالى لو أراد إلى المرافق والرأس والرجلين لبينه ونص عليه كما فعل في الوضوء ، ولو أراد جميع الجسد لبينه كما فعل في الغسل ، فإذ لم يرد عز وجل على ذكر الوجه واليدين ، فلا يجوز لأحد أن يزيد في ذلك ما لم يذكره الله تعالى . من الذراعين والرأس والرجلين وسائر الجسد ، ولم يلزم في التيمم إلا الوجه والكفان ، وهما أقل ما يقع عليه اسم يدين ، ووجدنا السنة الثابتة قد جاءت بذلك لا الأكاذيب الملفقة .

                                                                                                                                                                                          كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي حدثنا الفربري ثنا البخاري ثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ذر - هو ابن عبد الله المرهبي - عن ابن عبد الرحمن بن أبزى - هو سعيد - عن أبيه قال : قال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب " تمعكت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { يكفيك الوجه والكفان } .

                                                                                                                                                                                          حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير كلهم عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال : كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري - فذكر الحديث ، وفيه - فقال أبو موسى لابن مسعود " ألم تسمع قول عمار : { بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء ، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه ؟ } [ ص: 375 ] وبه إلى مسلم ثنا عبد الله بن هاشم العبدي ثنا يحيى بن سعيد القطان عن شعبة ثنا الحكم عن ذر - هو ابن عبد الله - عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال : إني أجنبت فلم أجد ماء ، قال عمر لا تصل ، فقال عمار : أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما كان يكفيك أن تضرب الأرض بيديك ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك } وذكر باقي الحديث . قال علي : في هذا الحديث إبطال القياس ; لأن عمارا قدر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم الغسل للجنابة ، إذ هو بدل منه ، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، وأعلمه أن لكل شيء حكمه المنصوص عليه فقط ، وفيه أن الصاحب قد يهم وينسى ، وفيه نص حكم التيمم .

                                                                                                                                                                                          حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث بن سعيد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن الأعرج قال سمعت عميرا مولى ابن عباس قال : أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ، فقال أبو جهيم { أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه السلام ، حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد السلام . }

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : هذا هو الثابت لا حديث محمد بن ثابت . وهذا فعل مستحب يعني التيمم لرد السلام في الحضر .

                                                                                                                                                                                          وبهذا يقول جماعة من السلف ، كما روينا عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن علي بن أبي طالب قال : التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين .

                                                                                                                                                                                          وروينا عن أحمد بن حنبل : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا شعبة ثنا حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الأشجعي قال : سمعت عمار بن ياسر يقول : التيمم ضربة للوجه والكفين ، وروينا عن محمد بن أبي عدي حدثنا شعبة عن [ ص: 376 ] حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك أنه سمع عمار بن ياسر يقول في خطبته : التيمم هكذا وضرب ضربة للوجه والكفين .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : هذا بحضرة الصحابة في الخطبة ، فلم يخالفه ممن حضر أحد .

                                                                                                                                                                                          وعن أحمد بن حنبل حدثني مسكين بن بكير ثنا الأوزاعي عن عطاء أن ابن عباس وابن مسعود كانا يقولان : التيمم للكفين والوجه .

                                                                                                                                                                                          قال الأوزاعي وبهذا كان يقول عطاء ومكحول ، وهو الثابت عن الشعبي وقتادة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وبه يقول الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود .

                                                                                                                                                                                          قال علي : وأما استيعاب الوجه والكفين فما نعلم في ذلك لمن أوجبه حجة إلا قياس ذلك على استيعابهما بالماء .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : والقياس باطل ، ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلا ; لأن حكم الرجلين عندنا وعندهم في الوضوء الغسل ، فلما عوض منه المسح على الخفين سقط الاستيعاب عندهم ، فيلزمهم - إن كانوا يدرون ما القياس - أن كذلك لما كان حكم الوجه واليدين في الوضوء الغسل ، ثم عوض منه المسح في التيمم ، أن يسقط الاستيعاب كما سقط في المسح على الخفين ، لا سيما ومن أصول أصحاب القياس أن المشبه بالشيء لا يقوى قوة الشيء بعينه

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : هذا كله لا شيء ، وإنما نورده لنريهم تناقضهم وفساد أصولهم ، وهدم بعضها لبعض ، كما نحتج على كل ملة وكل نحلة وكل قولة بأقوالها الهادم بعضها لبعض ، لأنهم يصححونها كلها ، لا على أننا نصحح منها شيئا ، وإنما عمدتنا ههنا أن الله تعالى قال : { بلسان عربي مبين } وقال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } والمسح في اللغة لا يقتضي الاستيعاب ، فوجب الوقوف عند ذلك ، ولم يأت بالاستيعاب في التيمم قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ، نعم ولا قياس ، فبطل القول به ، وممن قال بقولنا في هذا ، وأنه إنما هو ما وقع عليه اسم مسح فقط : أبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي وغيره .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : والعجب أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة [ ص: 377 ] مواضع ولا مزيد : مسح الرأس ومسح الوجه واليدين في التيمم ومسح على الخفين والعمامة والخمار ، ومسح الحجر الأسود في الطواف ، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب ، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار ، ثم نقضوا ذلك في التيمم ، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكما بلا برهان ، واضطربوا في الرأس ، فلم يوجب أبو حنيفة ولا الشافعي فيه الاستيعاب ، وهم مالك بأن يوجبه ، وكاد فلم يفعل ، فمن أين وقع لهم تخصيص المسح في التيمم بالاستيعاب بلا حجة ، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من لغة ولا من إجماع ، ولا من قول صاحب ولا من قياس ؟ وبالله التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية