الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          473 - مسألة : وسجود السهو كله بعد السلام إلا في موضعين ، فإن الساهي فيهما مخير بين أن يسجد سجدتي السهو بعد السلام وإن شاء قبل السلام ؟ أحدهما : من سها فقام من ركعتين ولم يجلس ويتشهد ، فهذا سواء كان إماما أو فذا فإنه إذا استوى قائما فلا يحل له الرجوع إلى الجلوس ، فإن رجع وهو عالم بأن ذلك لا يجوز ذاكر لذلك - : بطلت صلاته ، فإن فعل ذلك ساهيا لم تبطل صلاته ، وهو سهو يوجب السجود ، لكن يتمادى في صلاته فإذا أتم التشهد الآخر فإن شاء سجد سجدتي السهو ثم سلم ، وإن شاء سلم ثم سجد سجدتي السهو ؟ والموضع الثاني : أن لا يدري في كل صلاة تكون ركعتين أصلى ركعة أو ركعتين ؟ وفي كل صلاة تكون ثلاثا أصلى ركعة أو ركعتين أو ثلاثا ؟ وفي كل صلاة تكون أربعا أصلى أربعا أم أقل ؟ فهذا يبني على الأقل ويصلي أبدا حتى يكون على يقين من أنه قد أتم ركعات صلاته وشك في الزيادة . [ ص: 85 ]

                                                                                                                                                                                          فإذا تشهد في آخر صلاته فهو مخير إن شاء سجد سجدتي السهو قبل السلام ، ثم يسلم ، وإن شاء سلم ثم سجد سجدتي السهو . وإن أيقن من خلال ذلك أنه كان قد أتم جلس من حينه وتشهد وسلم ولا بد ، ثم سجد للسهو وإن ذكر بعد أن سلم وسجد أنه زاد يقينا فلا شيء عليه وصلاته تامة . والسجود في صلاة التطوع واجب كما هو في صلاة الفرض ، ولا فرق في كل ما ذكرناه ؟ وقال أبو حنيفة : السجود كله للسهو بعد السلام ؟ وقال الشافعي : هو كله قبل السلام ؟ وقال مالك : هو في الزيادة بعد السلام ، وفي النقصان قبل السلام قال علي : تعلق أبو حنيفة ببعض الآثار وترك بعضا وهذا لا يجوز ؟ وكذلك فعل الشافعي وزاد حجة نظرية وهي : أنه قال : إن جبر الشيء لا يكون إلا فيه لا بائنا عنه قال علي : والنظر لا يحل أن يعارض به كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليت شعري من أين لهم بأن جبر الشيء لا يكون إلا فيه لا بائنا عنه ؟ وهم مجمعون على أن الهدي ، والصيام : يكونان جبرا لما نقص من الحج ، وهما بعد الخروج عنه وأن عتق الرقبة أو الصدقة ، أو صيام الشهرين جبر لنقص وطء التعمد في نهار رمضان وبعض ذلك لا يجوز إلا بعد تمامه ، وسائر ذلك يجوز بعد تمامه ، وهذه صفة الآراء المقحمة في الدين بلا برهان من الله تعالى ، ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          وأما قول مالك ، فرأي مجرد فاسد بلا برهان على صحته ، وهو أيضا مخالف للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بسجود السهو قبل السلام من شك فلم يدر كم صلى ؟ وهو سهو زيادة

                                                                                                                                                                                          فبطلت هذه الأقوال كلها ، وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 86 ] قال علي : وبرهان صحة قولنا - : ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا الحسن بن إسماعيل بن سليمان ثنا الفضيل هو ابن عياض - عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : { فأيكم ما نسي شيئا فليتحر الذي يرى أنه صواب ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو } حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة ، قال : قال عبد الله هو ابن مسعود - : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم في حديث { إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم ليسجد سجدتين } قال علي : ورويناه من طرق كثيرة جياد غاية فلو لم يرد غير هذه السنة لم يجز سجود السهو إلا بعد السلام - : حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن الأعرج عن عبد الله ابن بحينة قال { صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ، ثم سلم } . فلم يرجع عليه السلام إلى الجلوس ، وقد قال عليه السلام : { صلوا كما تروني أصلي } - : حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا عبيد الله بن عمر الجشمي ثنا يزيد بن هارون أنا المسعودي هو أبو العميس عتبة بن [ ص: 87 ] عبد الله بن مسعود - عن زياد بن علاقة قال { صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين ، فقلنا : سبحان الله ، فقال : سبحان الله ، ومضى ، فلما أتم صلاته وسلم سجد سجدتي السهو ، فلما انصرف قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع كما صنعت } .

                                                                                                                                                                                          قال علي : وكلا الخبرين صحيح ، فكلاهما الأخذ به سنة ؟ وقد قال بعض مقلدي أبي حنيفة : لعل ابن بحينة لم يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سلم قال علي : وهذا تعلل بدعوى الكذب ، وإسقاط السنن بالظن الكاذب ولا يحل أن يقال فيما رواه الثقة - فكيف الصاحب - : لعله وهم ، إلا بيقين وارد بأنه وهم ، وأما بالظن فلا .

                                                                                                                                                                                          قال عليه السلام { إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث } . ومن الباطل أن يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته ولا يسلم المؤتمون بسلامه ، وأن يسلموا كما سلم عليه السلام ولا يسمع ابن بحينة شيئا من ذلك فلا يدعي هذا إلا قليل الحياء ، رقيق الدين مستهين بالكذب حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف ثنا موسى بن داود ثنا سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ، أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم } .

                                                                                                                                                                                          حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن العلاء أبو كريب ثنا أبو خالد هو الأحمر - عن محمد بن عجلان عن زيد بن [ ص: 88 ] أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليبن على اليقين ، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين ، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماما لصلاته ، وكانت السجدتان ترغيما للشيطان } .

                                                                                                                                                                                          ورويناه من طريق مالك مرسلا .

                                                                                                                                                                                          فهذا نص ما قلنا ، وهذا هو بيان التحري المذكور في حديث ابن مسعود .

                                                                                                                                                                                          وفي هذا بطلان قول أبي حنيفة : إن عرض له ذلك أول مرة أعاد الصلاة ، وأما بعد ذلك فيتحرى أغلب ظنه - مع أن هذا التقسيم فاسد ، لأنه بلا برهان ؟ حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا حفص بن عمر هو الحوضي - ومسلم بن إبراهيم ثنا شعبة عن الحكم هو ابن عتيبة - عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال : { صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا ؟ فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذلك ؟ قيل : صليت خمسا ، فسجد سجدتين بعدما سلم } .

                                                                                                                                                                                          فقال أبو حنيفة : من صلى خمسا ساهيا فصلاته باطل ، إلا أن يكون جلس في آخر الرابعة مقدار التشهد .

                                                                                                                                                                                          قال علي : وهذا تقسيم مخالف للسنة ، خارج عن القياس ، بعيد عن سداد الرأي وروينا عن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن أبيه عن الحارث بن شبل عن عبد الله بن شداد : أن ابن عمر لم يجلس في الركعتين ، فمضى ، فلما سلم في آخر صلاته سجد سجدتين وتشهد مرتين

                                                                                                                                                                                          حدثنا يوسف بن عبد الله النمري ثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ ثنا أحمد بن زهير بن حرب ثنا أبي ثنا أبو معاوية الضرير عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن سعد بن أبي وقاص { أنه نهض في الركعتين فسبحوا له ، فاستتم [ ص: 89 ] قائما ، ثم سجد سجدتي السهو حين انصرف ثم قال : كنتم تروني أجلس إني صنعت كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع } .

                                                                                                                                                                                          وعن سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار سمعت ابن عمر يقول : إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخ حتى يعلم أنه قد أتم ، ثم ليسجد سجدتين وهو جالس .

                                                                                                                                                                                          ففسر ابن عمر التحري كما قلناه ؟ فإن احتج محتج بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر وسفيان بن عيينة كلاهما عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { التسليم بعد سجدتي السهو } ؟ قلنا : لم يسمع ابن سيرين من عمران بن الحصين ، فهذا منقطع ، ثم لو أسند لما كان معارضا لأمره عليه السلام بسجود السهو بعد السلام ، بل كان يكون مضافا إليه ، وإنما كان يكون فيه أن بعد السجدتين تسليما منهما فقط - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وروينا عن عطاء إيجاب سجود السهو في التطوع ، وعموم أمره صلى الله عليه وسلم من أوهم في صلاة بسجدتي السهو - : يدخل فيه التطوع ، ولا يجوز إخراجه منه بالظن وبالله تعالى نتأيد .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية