الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال علي : أما من قال بتحديد ما يقصر فيه بالسفر ، من أفق إلى أفق ، وحيث يحمل الزاد والمزاد وفي ستة وتسعين ميلا ، وفي اثنين وثمانين ميلا ، وفي اثنين وسبعين ميلا ، وفي ثلاثة وستين ميلا ، أو في أحد وستين ميلا ، أو ثمانية وأربعين ميلا ، أو خمسة وأربعين ميلا ، أو أربعين ميلا ، أو ستة وثلاثين ميلا : فما لهم حجة أصلا ولا متعلق ، لا من قرآن ، ولا من سنة صحيحة ، ولا سقيمة ، ولا من إجماع ولا من قياس ، ولا رأي سديد ، ولا من قول صاحب لا مخالف له منهم - وما كان هكذا فلا وجه للاشتغال به ثم نسأل من حد ما فيه القصر ، والفطر بشيء من ذلك عن أي ميل هو ؟ ثم نحطه من الميل عقدا أو فترا أو شبرا ، ولا نزال نحطه شيئا فشيئا فلا بد له من التحكم في الدين ، أو ترك ما هو عليه ؟ فسقطت هذه الأقوال جملة والحمد لله رب العالمين ؟

ولا متعلق لهم بابن عباس ، وابن عمر لوجوه - : أحدها : أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم .

والثاني : أنه ليس التحديد بالأميال في ذلك من قولهما ، وإنما هو من قول من دونهما .

والثالث : أنه قد اختلف عنهما أشد الاختلاف كما أوردنا .

فروى حماد بن سلمة عن أيوب السختياني ، وحميد كلاهما عن نافع ، ووافقهما ابن جريج عن نافع : أن ابن عمر كان لا يقصر في أقل من ستة وتسعين ميلا وروى معمر عن أيوب عن نافع : أن ابن عمر كان يقصر في أربعة برد ، ولم يذكر أنه منع من القصر في أقل ؟ وروى هشام بن الغاز عن نافع : أن ابن عمر قال : لا يقصر الصلاة إلا في اليوم التام

وروى مالك عن نافع عنه : أنه لا يقصر في البريد .

وقال مالك : ذات النصب ، وريم : كلتاهما من المدينة على نحو أربعة برد ، وروى عنه علي بن ربيعة الوالبي : لا قصر في أقل من اثنين وسبعين ميلا .

وروى عنه ابنه سالم بن عبد الله - وهو أجل من نافع - : أنه قصر إلى ثلاثين ميلا .

وروى عنه ابن أخيه حفص بن عاصم - وهو أجل من نافع وأعلم به : أنه قصر إلى ثمانية عشر ميلا ؟ وروى عنه شرحبيل بن السمط ، ومحمد بن زيد بن خلدة ، ومحارب بن دثار ، وجبلة بن سحيم - وكلهم أئمة - : القصر في أربعة أميال ، وفي ثلاثة أميال ، وفي ميل واحد ، وفي سفر ساعة .

وأقصى ما يكون سفر الساعة من ميلين إلى ثلاثة .

وأما ابن عباس فروى عنه عطاء : القصر إلى عسفان ، وهي اثنان وثلاثون ميلا ، وإذا وردت على أهل أو ماشية فأتم ، ولا تقصر إلى عرفة ولا منى .

وروى عنه مجاهد : لا قصر في يوم إلى العتمة ، لكن فيما زاد على ذلك وروى عنه أبو جمرة الضبعي : لا قصر إلا في يوم متاح . وقد خالفه مالك في أمره عطاء : أن لا يقصر إلى منى ولا إلى عرفة ، وعطاء مكي ، فمن الباطل أن يكون بعض قوله حجة وجمهور قوله ليس حجة وخالفه أيضا مالك ، والشافعي في قوله : إذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم الصلاة .

فحصل قول مالك ، والشافعي : خارجا عن أن يقطع بأنه تحديد أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، ولا وجد بينا عن أحد من التابعين أنه حد ما فيه القصر بذلك .

ولعل التحديد - الذي في حديث ابن عباس - إنما هو من دون عطاء ، وهو هشام بن ربيعة .

وليس في حديث نافع عن ابن عمر : أنه منع القصر في أقل من أربعة برد فسقطت أقوال من حد ذلك بالأميال المذكورة سقوطا متيقنا - وبالله تعالى التوفيق .

ثم رجعنا إلى قول من حد بثلاثة أيام ، أو يومين ، أو يوم وشيء زائد ، أو يوم تام ، أو يوم وليلة - : فلم نجد لمن حد ذلك بيوم وزيادة شيء متعلقا أصلا ، فسقط هذا القول فنظرنا في الأقوال الباقية فلم نجد لهم متعلقا إلا بالحديث الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، وابن عمر في { نهي المرأة عن السفر - : في بعضها ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم وفي بعضها ليلتين إلا مع ذي محرم وفي بعضها يوما وليلة إلا مع ذي محرم وفي بعضها يوما إلا مع ذي محرم } " .

فتعلقت كل طائفة مما ذكرنا ؟ فأما من تعلق بليلتين ، أو بيوم وليلة : فلا متعلق لهم أصلا ; لأنه قد جاء ذلك الحديث بيوم ، وجاء بثلاثة أيام ، فلا معنى للتعلق باليومين ، ولا باليوم والليلة ، دون هذين العددين الآخرين أصلا .

وإنما يمكن أن يشغب هاهنا بالتعلق بالأكثر مما ذكر في ذلك الحديث ، أو بالأقل مما ذكر فيه - وأما التعلق بعدد قد جاء النص بأقل منه ، أو بأكثر منه ، فلا وجه له أصلا ، فسقط هذان القولان أيضا ؟ فنظرنا في قول من تعلق بالثلاث ، أو باليوم : فكان من شغب من تعلق باليوم أن قال : هو أقل ما ذكر في ذلك الحديث ، فكان ذلك هو حد السفر الذي ما دونه بخلافه ، فوجب أن يكون ذلك حدا لما يقصر فيه قالوا : وكان من أخذ بحدنا قد استعمل حكم الليلتين واليوم والليلة والثلاث ، ولم يسقط من حكم ما ذكر في ذلك الحديث شيئا : وهذا أولى ممن أسقط أكثر ما ذكر في ذلك الحديث ؟

قال علي : فقلنا لهم : تأتوا بشيء فإن كنتم إنما تعلقتم باليوم ; لأنه أقل ما ذكر في الحديث - : فليس كما قلتم ، وقد جهلتم أو تعمدتم فإن هذا الحديث رواه بشر بن المفضل عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة إلا ومعها ذو محرم منها } " .

ورواه مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يوما وليلة إلا مع ذي محرم منها } " .

ورواه الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه : أن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يحل لامرأة مسلمة تسافر ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها } .

ورواه ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم } .

ورواه جرير بن حازم عن سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث وفيه - : " أن تسافر بريدا " وسعيد أدرك أبا هريرة وسمع منه ؟ فاختلف الرواة عن أبي هريرة ، ثم عن سعيد بن أبي سعيد ، وعن سهيل بن أبي صالح كما أوردنا .

وروى هذا الحديث ابن عباس فلم يضطرب عليه ولا اختلف عنه ؟ كما حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب كلاهما عن سفيان بن عيينة ثنا عمرو بن دينار عن أبي معبد ، هو مولى ابن عباس - قال : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم } .

فعم ابن عباس في روايته كل سفر دون اليوم ودون البريد وأكثر منهما ، وكل سفر قل أو طال فهو عام لما في سائر الأحاديث وكل ما في سائر الأحاديث فهو بعض ما في حديث ابن عباس هذا فهو المحتوي على جميعها ، والجامع لها كلها ، ولا ينبغي أن يتعدى ما فيه إلى غيره ، فسقط قول من تعلق باليوم أيضا - وبالله تعالى التوفيق .

ثم نظرنا في قول من حد ذلك بالثلاث فوجدناهم يتعلقون بذكر الثلاث في هذا الحديث وبما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في المسح " { للمسافر ثلاثا بلياليهن ، وللمقيم يوما وليلة } لم نجدهم موهوا بغير هذا أصلا

قال علي : وقالوا : من تعلق بالثلاث كان على يقين من الصواب ، لأنه إن كان عليه السلام ذكر نهيه عن سفرها ثلاثا قبل نهيه عن سفرها يوما أو أقل من يوم - : فالخبر الذي ذكر فيه اليوم هو الواجب أن يعمل به ، ويبقى نهيه عن سفرها ثلاثا غير منسوخ ، بل ثابت كما كان .

وإن كان ذكر نهيه عن سفرها ثلاثا بعد نهيه عن سفرها يوما أو أقل من يوم - : فنهيه عن السفر ثلاثا هو الناسخ لنهيه إياها عن السفر أقل من ثلاث ؟ قالوا : فنحن على يقين من صحة حكم النهي عن السفر ثلاثا إلا مع ذي محرم وعلى شك من صحة النهي لها عما دون الثلاث ، فلا يجوز أن يترك اليقين للشك قال علي : وهذا تمويه فاسد من وجوه ثلاثة - : أحدها : أنه قد جاء النهي أن تسافر أكثر من ثلاث .

روينا ذلك من طرق كثيرة في غاية الصحة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا ومعها ذو محرم } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث