الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الجمعة إذا صلاها اثنان فصاعدا ركعتان يجهر فيهما

جزء التالي صفحة
السابق

522 - مسألة : والجمعة إذا صلاها اثنان فصاعدا ركعتان يجهر فيهما بالقراءة .

ومن صلاهما وحده صلاهما أربع ركعات يسر فيها كلها ، لأنها الظهر .

وقد ذكرنا في باب وجوب قصر الصلاة من كتابنا حديث عمر { صلاة الجمعة ركعتان ، وصلاة المسافر ركعتان ، تمام غير قصر ، على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم } .

قال أبو محمد : وذهب بعض الناس إلى أنها ركعتان للفذ وللجماعة بهذا الخبر قال علي : وهذا خطأ ، لأنه الجمعة : اسم إسلامي لليوم ، لم يكن في الجاهلية ، إنما كان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية " العروبة " فسمي في الإسلام " يوم الجمعة " ; لأنه يجتمع فيه للصلاة اسما مأخوذا من الجمع ، فلا تكون صلاة الجمعة إلا في جماعة وإلا فليست صلاة جمعة ، إنما هما ظهر ، والظهر أربع كما قدمنا .

وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر فيها ، وهو عمل أهل الإسلام ، نقل كواف من عهده عليه السلام إلى اليوم في شرق الأرض وغربها ؟ وأما العدد الذي يصليه الإمام فيه جمعة ركعتين كما ذكرنا - : فقد اختلف فيه - : فروينا عن عمر بن عبد العزيز : الجمعة تكون بخمسين رجلا فصاعدا .

وقال الشافعي : لا جمعة إلا بأربعين رجلا : أحرارا ، مقيمين ، عقلاء ، بالغين - فصاعدا .

وروينا عن بعض الناس : ثلاثين رجلا .

وعن غيره : عشرين رجلا .

وعن عكرمة : سبعة رجال لا أقل .

وعن أبي حنيفة ، والليث بن سعد ، وزفر ، ومحمد بن الحسن : إذا كان ثلاثة [ ص: 249 ] رجال والإمام رابعهم صلوا الجمعة بخطبة ركعتين ، ولا تكون بأقل ؟ وعن الحسن البصري : إذا كان رجلان والإمام ثالثهما صلوا الجمعة بخطبة ركعتين

وهو أحد قولي سفيان الثوري وقول أبي يوسف ، وأبي ثور وعن إبراهيم النخعي : إذا كان واحد مع الإمام صليا الجمعة بخطبة ركعتين .

وهو قول الحسن بن حي ، وأبي سليمان ، وجميع أصحابنا ، وبه نقول ؟ قال علي : فأما من حد خمسين فإنهم ذكروا حديثا فيه { على الخمسين جمعة إذا كان عليهم إمام } . وهذا خبر لا يصح ; لأنه عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة ، والقاسم هذا ضعيف .

وأما من حد بثلاثين فإنهم ذكروا خبرا مرسلا من طريق أبي محمد الأزدي - وهو مجهول - { إذا اجتمع ثلاثون رجلا فليؤمروا رجلا يصلي بهم الجمعة } .

وأما من قال بقول أبي حنيفة ، والليث : فذكروا حديثا من طريق معاوية بن يحيى عن معاوية بن سعيد عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية وقد أدركت النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الجمعة واجبة في كل قرية وإن لم يكن فيهم إلا أربعة ؟ } . وهذا لا يجوز الاحتجاج به ; لأن معاوية بن يحيى ، ومعاوية بن سعيد : مجهولان

وأيضا - : فإن أبا حنيفة أول من يخالف هذا الخبر ، لأنه لا يرى الجمعة في القرى ، لكن في الأمصار فقط

[ ص: 250 ] فكل هذه آثار لا تصح ، ثم لو صحت لما كان في شيء منها حجة ، لأنه ليس في شيء منها إسقاط الجمعة عن أقل من العدد المذكور ؟ وقد روي حديث ساقط عن روح بن غطيف - وهو مجهول { لما بلغوا مائتين جمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم } فإن أخذوا بالأكثر فهذا الخبر هو الأكثر ، وإن أخذوا بالأقل فسنذكر إن شاء الله تعالى حديثا فيه أقل وأما الشافعي : فإنه احتج بخبر صحيح رويناه من طريق الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه : أنه إذا سمع نداء الجمعة ترحم على أبي أمامة أسعد بن زرارة ، فسأله ابنه عن ذلك ؟ فقال : إنه أول من جمع بنا في هزم حرة بني بياضة ، في نقيع يعرف بنقيع الخضمات ونحن يومئذ أربعون رجلا .

قال علي : ولا حجة له في هذا ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل : إنه لا تجوز الجمعة بأقل من هذا العدد ، نعم والجمعة واجبة بأربعين رجلا وبأكثر من أربعين وبأقل من أربعين ؟ واحتج من قال : بقول أبي يوسف بما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا عبيد الله بن سعيد عن يحيى هو القطان - عن هشام هو الدستوائي - ثنا قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم ، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم } . وهذا خبر صحيح

، إلا أنه لا حجة لهم فيه ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل : إنه لا تكون جماعة ولا جمعة بأقل من ثلاثة ؟

[ ص: 251 ] وأما حجتنا فهي ما قد ذكرناه قبل من حديث مالك بن الحويرث أن رسول الله : قال له : { إذا سافرتما فأذنا وأقيما ، وليؤمكما أكبركما } فجعل عليه السلام للاثنين حكم الجماعة في الصلاة ؟ فإن قال قائل : إن الاثنين إذا لم يكن لهما ثالث فإن حكم الإمام أن يقف المأموم على يمين الإمام ، فإذا كانوا ثلاثة فقد قيل : يقفان عن يمين الإمام ويساره ؟ وقد قيل : بل خلف الإمام ، ولم يختلفوا في الأربعة : أن الثلاثة يقفون خلف الإمام ، فوجدنا حكم الأربعة غير حكم الاثنين ؟ قلنا : فكان ماذا ؟ نعم ، هو كما تقولون : في مواضع الوقوف ، إلا أن حكم الجماعة واجب لهما بإقراركم ، وليس في حكم اختلاف موقف المأموم دليل على حكم الجمعة أصلا ؟ وقد حكم الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بأن صلاة الجمعة ركعتان .

وقال عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } . فلا يجوز أن يخرج عن هذا الأمر وعن هذا الحكم أحد إلا من جاء نص جلي أو إجماع متيقن على خروجه عنه ، وليس ذلك إلا الفذ وحده - وبالله تعالى التوفيق .

فإن ابتدأها إنسان ولا أحد معه ثم أتاه آخر أو أكثر ، فسواء أتوه إثر تكبيره فما بين ذلك إلى أن يركع من الركعة الأولى - : يجعلها جمعة ويصليها ركعتين ، لأنها قد صارت صلاة جمعة ، فحقها أن تكون ركعتين ، وهو قادر على أن يجعلها ركعتين بنية الجمعة ، وهي ظهر يومه .

فإن جاءه بعد أن ركع فما بين ذلك إلى أن يسلم - : فيقطع الصلاة ويبتدئها صلاة جمعة ، لا بد من ذلك ، لأنه قد لزمته الجمعة ركعتين ، ولا سبيل له إلى أداء ما لزمه من ذلك إلا بقطع صلاته التي قد بطل حكمها - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث