الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة نسي أن ينوي من الليل في رمضان

جزء التالي صفحة
السابق

729 - مسألة :

ومن نسي أن ينوي من الليل في رمضان فأي وقت ذكر من النهار التالي لتلك الليلة - سواء أكل وشرب ووطئ أو لم يفعل شيئا من ذلك - فإنه ينوي الصوم من وقته إذا ذكر ، ويمسك عما يمسك عنه الصائم ، ويجزئه صومه ذلك تاما ، ولا قضاء عليه ، ولو لم يبق عليه من النهار ، إلا مقدار النية فقط ، فإن لم ينو كذلك فلا صوم له ، وهو عاص لله تعالى متعمد لإبطال صومه ، ولا يقدر على القضاء .

وكذلك من جاءه الخبر بأن هلال رمضان رئي البارحة - فسواء أكل وشرب ووطئ أو لم يفعل شيئا من ذلك - في أي وقت جاء الخبر من ذلك اليوم ولو في آخره كما ذكرنا - : فإن ينوي الصوم ساعة صح الخبر عنده ، ويمسك عما يمسك عنه الصائم ، ويجزئه صومه ، ولا قضاء عليه ، فإن لم يفعل فصومه باطل ، كما قلنا في التي قبلها سواء سواء ، وكذلك أيضا : من عليه صوم نذر معين في يوم بعينه فنسي النية وذكر بالنهار فكما قلنا ولا فرق ، وكذلك من نسي النية في ليلة من ليالي الشهرين المتتابعين الواجبين ثم ذكر بالنهار ولا فرق [ ص: 291 ] وكذلك من نام قبل غروب الشمس في رمضان ، أو في الشهرين المتتابعين ، أو في نذر معين فلم ينتبه إلا بعد طلوع الفجر أو في شيء من نهار ذلك اليوم ، ولو في آخره - كما قلنا - فكما قلنا أيضا آنفا سواء سواء ، ولا فرق في شيء أصلا ، فلو لم يذكر في شيء من الوجوه التي ذكرنا ، ولا استيقظ حتى غابت الشمس - : فلا إثم عليه ، ولم يصم ذلك اليوم ولا قضاء عليه .

برهان قولنا - : قول الله تعالى : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } . وكل من ذكرنا ناس ، أو مخطئ غير عامد ، فلا جناح عليه .

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني أبو بكر بن نافع العبدي ثنا بشر بن المفضل ثنا خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ ابن عفراء قالت { أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة : من كان أصبح صائما فليتم صومه ، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه } . وبه إلى مسلم بن الحجاج : ثنا قتيبة بن سعيد ثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال : { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم يوم عاشوراء ، فأمره أن يؤذن في الناس : من كان لم يصم فليصم ، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى } .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا المكي بن إبراهيم ثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال : { أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم أن أذن في الناس : إن من أكل فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل فليصم ، فإن اليوم يوم عاشوراء } . [ ص: 292 ]

ورويناه أيضا من طريق معاوية وغيره مسندا . قال أبو محمد : ويوم عاشوراء هو كان الفرض حينئذ صيامه . كما روينا بالسند المذكور إلى البخاري : ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث هو ابن سعيد التنوري - ثنا أيوب السختياني ثنا عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس - فذكر الحديث في يوم عاشوراء وفيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه } .

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا شيبان عن أشعث بن أبي الشعثاء عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده ، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا عنده } .

وروينا من طريق الزهري ، وهشام بن عروة ، وعراك بن مالك كلهم عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصيام عاشوراء ، حتى فرض رمضان } . قال عراك : فقال عليه السلام : { من شاء فليصمه ومن شاء فليفطره } . [ ص: 293 ]

قال أبو محمد : فكان هذا حكم صوم الفرض ، وما نبالي بنسخ فرض صوم عاشوراء ، فقد أحيل صيام رمضان أحوالا ، فقد كان مرة : من شاء صامه ، ومن شاء أفطره وأطعم عن كل يوم مسكينا ، إلا أن حكم ما كان فرضا حكم واحد ; وإنما نزل هذا الحكم فيمن لم يعلم بوجوب الصوم عليه ; وكل من ذكرنا - من ناس ، أو جاهل ، أو نائم - فلم يعلموا وجوب الصوم عليهم ، فحكمهم كلهم هو الحكم الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من استدراك النية في اليوم المذكور متى ما علموا بوجوب صومه عليهم ، وسمي من فعل ذلك صائما ، وجعل فعله صوما - وبالله تعالى التوفيق . وبه قال جماعة من السلف - : كما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عبد الكريم الجزري : أن قوما شهدوا على الهلال بعدما أصبحوا ، فقال عمر بن عبد العزيز من أكل فليمسك عن الطعام ، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه ؟ وعن عطاء : إذا أصبح رجل مفطرا ولم يذق شيئا ثم علم برؤية الهلال أول النهار أو آخره فليصم ما بقي ولا يبدله ؟ ومن طريق وكيع عن أبي ميمونة عن أبي بشير عن علي بن أبي طالب أنه قال يوم عاشوراء : من لم يأكل فليصم ، ومن أكل فليتم بقية يومه .

وروينا من طريق وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين : أن ابن مسعود قال : من أكل أول النهار فليأكل آخره ؟ قال علي : اختلف الناس فيمن أصبح مفطرا في أول يوم من رمضان ثم علم أن الهلال رئي البارحة على أقوال - : منهم من قال : ينوي صوم يومه ويجزئه ، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه نأخذ ، وبه جاء النص الذي قدمنا - : ومنهم من قال : لا يصوم ، لأنه لم ينو الصيام من الليل ، ولم يروا فيه قضاء ، وهو قول ابن مسعود كما ذكرنا ، وبه يقول داود وأصحابنا : ومنهم من قال : يأكل بقيته ويقضيه ، وهو قول رويناه عن عطاء ؟ ومنهم من قال : [ ص: 294 ] يمسك فيه عما يمسك الصائم ، ولا يجزئه ، وعليه قضاؤه ، وهو قول مالك ، والشافعي . وقال به أبو حنيفة فيمن أكل خاصة ، دون من لم يأكل ; وفيمن علم الخبر بعد الزوال فقط ، أكل أو لم يأكل ، وهذا أسقط الأقوال ; لأنه لا نص فيه ، ولا قياس ، ولا نعلمه من قول صاحب ، ولا يخلو هذا الإمساك - الذي أمروه به - من أن يكون صوما يجزئه ، وهم لا يقولون بهذا ، أو لا يكون صوما ولا يجزئه ، فمن أين وقع لهم أن يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه ولا يجزئه ، وأيضا : فإنه لا يخلو من أن يكون مفطرا أو صائما ; فإن كان صائما فلم يقضيه إذن ؟ فيصوم يومين وليس عليه إلا واحد . وإن كان مفطرا فلم أمروه بعمل الصوم ؟ وهذا عجب جدا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

قال أبو محمد : احتج أبو حنيفة في تصحيح تخليطه الذي ذكرناه قبل - في نية الصوم - بخبر الربيع ، وسلمة بن الأكوع الذي ذكرنا ، وهذا عجب جدا أن يكونوا قد خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس ما جاء به الخبر ، فقالوا : من أكل لم يجزه صيام باقي يومه ، وفي تخصيصهم بالنية قبل الزوال وليس هذا في الخبر ، ثم احتجوا به فيما ليس منه شيء ومن عادتهم هذا الخلق الذميم ، وهذا قبيح جدا ، وتمويه لا يستجيزه محقق ناصح لنفسه ، وقال بعضهم : قد روى هذا الخبر عبد الباقي بن قانع عن أحمد بن علي بن مسلم عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه قال : { أتيت النبي صلى الله عليه وسلم - يعني في عاشوراء - فقال : صمتم يومكم هذا ؟ قالوا : لا ، قال : فأتموا يومكم هذا واقضوا } . [ ص: 295 ]

قال أبو محمد : لفظة " واقضوا " موضوعة بلا شك ، وعبد الباقي بن قانع مولى بني أبي الشوارب يكنى أبا الحسين ، مات سنة 51 هـ - إحدى وخمسين وثلاثمائة ، وقد اختلط عقله قبل موته بسنة ، وهو بالجملة منكر الحديث ، وتركه أصحاب الحديث جملة وأحمد بن علي بن مسلم مجهول .

وقد روينا هذا الحديث من طريق شعبة عن قتادة ، ومن طريق ابن أبي عروبة عن قتادة ، وليست فيه هذه اللفظة . كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن قاسم بن محمد ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر غندر ثنا شعبة ثنا قتادة عن عبد الرحمن بن المنهال بن سلمة الخزاعي عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسلم : { صوموا اليوم قالوا : إنا قد أكلنا ، قال : صوموا بقية يومكم - يعني عاشوراء } .

حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي ثنا محمد بن معاوية القرشي ثنا أحمد بن شعيب أنا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه - ثنا محمد بن بكر هو البرساني - ثنا سعيد بن أبي عروبة [ ص: 296 ] عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي عن عمه قال : { غدونا على رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عاشوراء ; فقال لنا : أصبحتم صياما ؟ قلنا : قد تغدينا يا رسول الله ; قال : فصوموا بقية يومكم } .

قال أبو محمد : ومن الغرائب تمويه الحنفيين بهذه اللفظة الموضوعة في حديث ابن قانع من قوله : { واقضوا } ثم خالفوها فلم يروا القضاء إلا على من أكل دون من لم يأكل ، وعلى من نوى بعد الزوال . وهذا كله خلاف الكذبة التي استحقوا بها المقت من الله تعالى ، فحيثما توجهوا عثروا ، وبكل ما احتجوا فقد خالفوه ، وهكذا فليكن الخذلان نعوذ بالله منه ، وأما من لم يعلم بوجوب صوم ذلك اليوم عليه إلا بعد غروب الشمس فإن لم يصمه كما أمر ; ولأنه لم ينو في شيء منه صوما ، ولم يتعمد ترك النية ، فلا إثم عليه فيما لم يتعمد ، ولا قضاء عليه ; لأنه لم يأت بإيجاب القضاء عليه نص ولا إجماع ، ولا يجب في الدين حكم إلا بأحدهما ; وإنما أمر بصيام ذلك اليوم ، لا بصوم غيره مكانه ، فلا يجزئ ما لم يؤمر به مكان ما أمر به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث