الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( والوجوب بإفراك الحب أو طيب الثمر )

ش : يعني أن وجوب الزكاة يتعلق بالحبوب بالإفراك وفي الثمر والزبيب بطيبها وهذا هو المشهور ، قال ابن عبد السلام : اختلف المذهب في الوصف الذي تجب به الزكاة في الثمار والزروع على ثلاثة أقوال : أحدها - وهو المشهور : إنه الطيب وطيب كل نوع معلوم فيه ، والثاني - : إنه الجذاذ فيما يجذ من الثمرة والحصاد فيما يحصد ، والثالث - : إنه الخرص ، انتهى . وقال في التوضيح في شرح قول ابن الحاجب ويجب بالطيب والإزهاء والإفراك ، وقيل بالحصاد والجذاذ معا ، وقيل بالخرص فيما يخرص الطيب عام في جميع الثمرة والإزهاء خاص بالثمر وهو طيب أيضا فهو من عطف الخاص على العام والإفراك في الحب خاصة .

وحاصل كلامه أن في الحبوب قولين وفي الثمار ثلاثة : الأول - قول مالك ، قال : إذا زهت النخل وطاب الكرم واسود الزيتون أو قارب وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وجبت فيه الزكاة ، والقول الثاني - : إنها لا تجب في الزرع إلا بالحصاد ولا يجب في الثمر إلا بالجذاذ ، ونسبه اللخمي وابن هارون وابن عبد السلام لابن مسلمة ، والقول الثالث خاص [ ص: 286 ] بالثمرة ، وأنها لا تجب إلا بالخرص وهو للمغيرة ورأى الخارص كالساعي ، وترتيب هذه الأشياء في الوجود هو أن الطيب أولا ثم الخرص ثم الجذاذ ، وأن الإفراك أولا ثم الحصاد ، انتهى . وقال ابن عرفة : وما تجب به اللخمي وابن رشد المشهور الطيب مبيح البيع المغيرة الخرص ابن مسلمة الجذ والحصد ، انتهى .

( تنبيهات الأول ) قوله : إن الزكاة تجب في الحب بالإفراك يخالف قوله إن الزكاة تجب بالطيب المبيح للبيع ; لأن الطيب المبيح للبيع هو اليبس ، وقد وقع هذا الاختلاف في كلام ابن رشد فقال في أول سماع ابن القاسم من كتاب زكاة الحبوب : إذا أفرك الزرع واستغنى عن الماء فقد وجبت فيه الزكاة على صاحبه ، وكذلك الثمرة إذا أزهت ، وقال بعد ذلك في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى أما ما أكل من حائطه بلحا أو من زرعه قبل أن يفرك فلا اختلاف في أنه لا يحسبه ; لأن الزكاة لم تجب عليه بعد ، إذ لا تجب الزكاة في الزرع حتى يفرك ولا في الحائط حتى يزهي ، واختلف فيما أكل من ذلك أخضر بعد وجوب الزكاة فيه بالإزهاء في الثمار أو بالإفراك في الحبوب على ثلاثة أقوال : أحدها - قول مالك : إنه يجب عليه أن يحصي ذلك كله ويخرج زكاته ، والثاني - إنه لا تجب عليه زكاته وهو قول الليث ومذهب الشافعي لقوله تعالى { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده } ، والثالث - تجب عليه في الحبوب ولا تجب عليه في الثمار { لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرصتم فخذوا ودعوا فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع } ، وهو قول ابن حبيب : إن الخارص يترك لأهل الحوائط قدر ما يأكلون ويعطون ، وقد روي مثل ذلك عن مالك ، وهذا إنما يصح على القول بأن الزكاة لا تجب في الثمار إلا بالجذاذ ، وهو قول محمد بن مسلمة ، وفائدة الخرص على هذا مخافة أن يكتم منها شيئا بعد اليبس أو الجذاذ ، فإن خشي مثل ذلك في الزرع فقال ابن عبد الحكم يوكل الإمام من يتحفظ بذلك ، وقيل إنه يخرص إن وجد من يحسن خرصه وهو أحسن والمغيرة يرى الزكاة تجب في الثمار بالخرص ففي حد وجوب الزكاة في الثمار ثلاثة أقوال : المشهور في المذهب أنها تجب بالطيب

والثاني - تجب بالجذاذ ، والثالث - تجب بالخرص فإن مات صاحب الثمرة قبل أن يخرص خرصت على الورثة إن كان في حظ كل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة ، انتهى . وقال بعد ذلك : وأما بيع الحب إذا أفرك على أن يترك حتى ييبس فلا اختلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز ابتداء ، وإنما يختلف الحكم فيه إذا وقع ، فقيل : إن العقد فيه فوت ، وقيل القبض ، وقيل لا يفوت بالقبض حتى يفوت بعده ، وقال في الرواية في سماع يحيى : إن علم به قبل أن ييبس فسخ ، وإن لم يعلم به إلا بعد أن ييبس مضى ، واختلف العلماء في وقت بيع الزرع ، فقال بعضهم : إذا أفرك ، وقال بعضهم : حتى ييبس ، قال ابن القاسم : فأنا أجيز البيع إذا فات باليبس لما جاء فيه من الاختلاف وأرده إذا علم به قبل اليبس ، قال ابن رشد : فهذه أربعة أقوال ، وهذا إذا اشتراه على أن يتركه حتى ييبس أو كان ذلك العرف ، وأما إن لم يشترط تركه ولا كان العرف فيه ذلك فالبيع فيه جائز وإن تركه مشتريه حتى ييبس ، انتهى . وقال المصنف في فصل الجوائح : ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه ، انتهى . وقال في الشامل لما ذكر به : والصلاح في الثمار وفي الحنطة ونحوها والقطاني يبسها فإن بيعت قبله وبعد الإفراك على السكت كره ومضى بالقبض على المتأول ، وقيل : يفسخ ، وقيل : يفوت باليبس ، وقيل بالعقد ، انتهى .

فعلى هذا فيقال : المراد بالإفراك أن ييبس الحب ويستغني عن الماء ، قال اللخمي : الزكاة تجب عند مالك بالطيب فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وحل بيعه أو أفرك الزرع واستغنى عن الماء واسود الزيتون أو قارب الاسوداد وجبت [ ص: 287 ] الزكاة فيه ، وقال المغيرة : تجب بالخرص ، وقال ابن مسلمة : بالجذاذ ، انتهى . ويمكن أن يقال يكفي الإفراك ; لأن البيع إذا وقع بعد الإفراك لا يفسخ على الراجح فتأمله . الثاني الحصاد بفتح الحاء وكسرها ، وقد قرئ بهما ، والكسر لغة الحجازيين والفتح لغة نجد والجداد بفتح الجيم وكسرها وبالدال المهملة على ما ذكره صاحب الصحاح والقاموس ، وذكر صاحب المحكم أنه يقال بالذال المعجمة ، والله أعلم . ( الثالث ) قال ابن عبد السلام : القول الثاني أقرب إلى نص التنزيل لقوله تعالى { وآتوا حقه يوم حصاده } إن حملت الآية على الزكاة ، وقد تقدمت الإشارة إلى أن المفسرين اختلفوا في ذلك ، انتهى . يشير إلى ما قدمه في أول الكلام على زكاة الحبوب ، وأنه اختلف في تفسير الحق هل هو الزكاة أو هو أمر زائد عليها أو أمر آخر نسخ بها ؟ انتهى .

( الرابع ) لو أخرج زكاة الزرع بعد الطيب وقبل الجذاذ أجزأت على المشهور وعلى قول ابن مسلمة لا تجزي كما صرح بذلك في النوادر ، ونقله اللخمي وابن يونس

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث