الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( تنبيه ) قال في التمهيد في شرح الحديث الثاني عشر لزيد بن أسلم في قوله عليه الصلاة والسلام { من سأل وله أوقية } الحديث فيه أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة ، والأوقية إذا أطلقت فإنما يراد بها الفضة دون الذهب وغير ، هذا قول العلماء ، والأوقية أربعون درهما فمن سأل وله هذا الحد والعدد من الفضة أو ما يقوم مقامها فهو ملحف ، والإلحاف في كلام العرب الإلحاح لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك ، والإلحاح على غير الله مذموم ، فقال : مدح الله قوما ، فقال { لا يسألون الناس إلحافا } ، ولهذا قلت : إن السؤال لمن ملك هذا القدر مكروه ، ولم أقل إنه حرام لا يحل ; لأن ما لا يحل يحرم الإلحاح فيه وغير الإلحاح ، ويحرم التعرض له وما جاء من غير مسألة فجائز له أن يأكله إن كان من غير الزكاة ، وهذا ما لا أعلم فيه خلافا ولا تحل الزكاة لغني إلا لخمسة على ما ذكرنا من حديث ربيعة ، ، وأما غير الزكاة من التطوع فجائز للغني والفقير ، ثم قال : المعروف من مذهبه يعني مالكا أنه لا يحد في الغني حدا لا يتجاوز إلا على قدر الاجتهاد المعروف من أحوال الناس ، وكذلك يرد ما يعطى للمسكين الواحد من الزكاة إلى الاجتهاد من غير توقيت ، ثم أطال في ذلك فانظره وانظر حديث زيد بن أسلم أيضا { أعطوا السائل ، وإن جاء على فرس } وهو الحديث السابع والأربعون لزيد بن أسلم وقال في شرح الحديث الثالث من أحاديث ربيعة في قوله صلى الله عليه وسلم { لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة } يريد : الصدقة المفروضة ، وأما التطوع فغير محرمة على أحد غير من ذكرنا على حسب ما وصفنا في هذا الباب ، إلا أن التنزه عنها حسن وقبولها من غير مسألة لا بأس به ، ومسألتها غير جائزة إلا لمن لم يجد بدا ، انتهى .

وفي تبصرة ابن محرز قال أبو الحسن القصار : من كان معه ما يقوم به لأدنى عيش لم يجز له أن يسأل ، وإن لم يكن له شيء فالمسألة له حلال ، ويجوز أن يعطى في دفعة واحدة ما يقوم بعيشه إلى آخر عمره ( قلت ) والأصل في هذا حديث { من سأل وله أوقية فقد سأل إلحافا } فمنع صلى الله عليه وسلم من كان عنده أوقية من السؤال ولعلها لا تكون غناء لمثله ، وأما إعطاؤه من الزكاة فإن الزكاة تجب لكل فقير ولا تحل للأغنياء فمن كان غنيا متكففا لم [ ص: 348 ] يجز أن يعطى منها والغنى في الناس مختلف فمنهم من يغنيه القليل لقلة عياله وخفة مؤنته ، ومنهم من لا يغنيه إلا الكثير لكثرة عياله وشدة مؤنته فهذا مما يجتهد فيه ، وأما إعطاء الفقير ما يغنيه أو يزيد على غناه فإن ذلك سائغ ; لأنه في حال ما أخذ كان فقيرا ، والصدقة مباحة للفقراء ، ولم يؤخذ علينا فيها حد معلوم ، وبالله التوفيق ، انتهى . ونقله البرزلي ، وقال في العارضة في باب من تحل له الزكاة ما نصه - المسألة الخامسة - وقد يكون السؤال واجبا أو مندوبا أما وجوبه فللمحتاج ، وأما المندوب فأن يعنيه وتتبين حاجته إن استحيا هو من ذلك أو رجاء أن يكون بيانه أنفع وأنجح من بيان السائل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل لغيره في أحاديث كثيرة ، انتهى . ورأيت بخط بعض المغاربة ما صورته : قال بعضهم الإنسان بالنسبة إلى أخذ الصدقة على قسمين : طالب لها ، وغير طالب فالطالب لها على قسمين : محتاج ، وغير محتاج فالمحتاج يجوز له الأخذ مطلقا وغير المحتاج يحرم عليه الأخذ مطلقا ، وأعني بالمطلق سواء كان يأخذه من المتصدق واجبا عليه كالزكاة أو تطوعا ، وأعني بغير المحتاج من عنده قوت يومه بالنسبة إلى طلب التطوع أو قوت سنة بالنسبة إلى طلب الواجب والمحتاج على عكسه ، والقسم الثاني وهو غير الطالب لها على قسمين أيضا : محتاج ، وغير محتاج فالمحتاج يجوز له الأخذ وغير المحتاج يجوز له الأخذ من التطوع دون الواجب ، وأما قدر المأخوذ لمن يجوز له الأخذ فلا حد له ولا غاية ، انتهى . ما رأيته وهو حسن إلا أنه غير معزو ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث