الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنبيهات أحرم الصبي بغير إذن وليه ولم يعلم إلا بعد بلوغه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( الخامس ) السلطان الذي يخاف أنه متى حج اختل أمر الرعية ويفسد نظامهم من خوف عدو الدين أو المفسدين من المسلمين ويغلب على الظن وقوع ذلك فالظاهر أنه غير مستطيع كما يؤخذ ذلك من كلام ابن رشد الآتي عند قول المصنف وفضل حج على غزو وسئلت عن ذلك وعن حكم استئجاره من يحج عنه بما نصه ما قولكم في سلطان عليه حجة الإسلام وخاف أنه متى حج بنفسه اختل أمر الرعية وفسد نظامهم واستولى الكفار على بلادهم فهل يجوز له أن يستأجر من يحج عنه أم لا ؟ وما الحكم في ذلك ؟ فأجبت إذا تحقق ما ذكر من اختلال أمر الرعية وفساد نظامهم واستيلاء الكفار على بلادهم بسبب حج هذا السلطان فلا كلام في سقوط الحج عنه ; لأنه غير مستطيع ويصير الحج في حقه غير واجب ، والمشهور في المذهب كراهة هذه الإجارة حينئذ فيه وصحتها إن وقعت والحالة هذه والله أعلم .

ومقابل المشهور يقول بجوازها ابتداء وأجاب سيدي أبو القاسم بن القاضي أبي السعادات بأنه إن كان لا يرجى له زوال ذلك فحكمه حكم المعضوب فيجوز له الاستئجار وإن رجى زوال ذلك لم يجز وهو كالمرجو الصحة ، ونصه : الأصل أن العبادة البدنية لا يجوز فيها النيابة لكن لما كان الحج متركبا من عمل بدني وعمل مالي ورد النص في الحديث الشريف بقبول النيابة فيه في حق المعضوب وهو كما قال ابن عرفة وغيره : من لا يرجى ثبوته على الراحلة الباجي كالزمن والهرم فالسلطان المذكور إن تحقق أن ما خشيه من اختلال أمور الرعية وصف لا يرجى زواله فهو كالمعضوب ومشهور المذهب جواز الاستنابة فيه بمعنى أن له أجر النفقة والدعاء وإن رجى زوال ما خشيه فلا يجوز فيه الاستنابة كالمريض المرجو صحته ومن في معناه والحالة هذه ورأيت بخط القاضي عبد القادر الأنصاري صورة استئجار ونصه باختصار لما عظم الله حرمة البيت وأوجب حجه وكان السلطان أبو عبيد الله محمد الأنصاري السعدي الخزرجي ممن شطت به الديار واشتغل بما تعين عليه من الجهاد في ذات الله فلحق بمن عجز عن زيارة البيت أحب أن يستنيب في الحج على أحد الأقوال في مذهب مالك رضي الله عنه وإن كان غير مشهور لما نص عليه بعض العلماء [ ص: 494 ] من أن هذا القول هو الصحيح واستدل له بما في صحيح مسلم انتهى .

ولعل القول الغير المشهور هو ما مشى عليه مؤلف المختصر من أنه يكره للعاجز والقول المشهور ، هو ظاهر ابن الحاجب حيث قال : ولا استنابة للعاجز على المشهور فإن بعض الشراح أبقاه على ظاهره من المنع فتأمله وقال الأبي في شرح مسلم في حديث الخثعمية لما تكلم على الاستطاعة ونقل أن القادر لا يستنيب اتفاقا وإجماعا : وهذا الذي يفعل اليوم كثير من شراء الحجات ويقولون : إنه على مذهب المخالف هو والله أعلم إنما يفعل في حق من تعذر عليه الوصول ، وفعله الشيخ أبو عبد الله عام حج فذكر أنه اشترى للخليفة سلطان إفريقية الأمير أحمد أبي العباس حجة انتهى .

وأجاب سيدي الإمام محمد بن زين الدين القطان الشافعي إمام مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وخطيبه بما نصه الذي رضي به السبكي ونقله البلقيني عن نص الشافعي أن هذا من الحصر الخاص وأنه لا يمنع الوجوب ويلزمه الحج ويستنيب من يحج عنه إن أيس من القدرة على ذلك بنفسه ولم يتمكن منه لما يحصل من الضرر ويكون كالمعضوب فإذا زال عذره وقدر على الحج بنفسه وجب عليه الحج ولا يسقط عنه بفعل النائب ، لكن مقتضى كلام النووي والرافعي في باب الإحصار أن المعتمد في المذهب عدم وجوب الحج عليه ولا يستقر في ذمته وأن الحصر الخاص يمنع الوجوب فيمتنع الاستئجار عند اليأس لعدم الوجوب ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث