الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في ذكر مبطلات الصلاة وسننها ومكروهاتها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( والأصح أن التنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ والسعال والعطاس إن ظهر به ) أي بكل مما ذكر ( حرفان بطلت وإلا فلا ) جزما لما مر ( ويعذر في يسير الكلام ) عرفا كالكلمتين والثلاث ويظهر ضبط الكلمة هنا بالعرف بدليل تعبيرهم ثم بحرف وهنا بكلمة ولا تضبط بالكلمة عند النحاة ولا عند اللغويين ( إن سبق لسانه ) إليه كالناسي بل أولى إذ لا قصد ( أو نسي الصلاة ) أي أنه فيها كأن سلم له لأنه صلى الله عليه وسلم { تكلم في قصة ذي اليدين معتقد أنه ليس في صلاة ثم بنى عليها } وخرج بالصلاة نسيان تحريمه فيها فلا يعذر به ( أو جهل تحريمه ) أي ما أتى به فيها وإن علم تحريم جنسه .

وقول أصل الروضة لو علم أن جنس الكلام محرم ولم يعلم أن ما يأتي به محرم فهو معذور بعد ذكره التفصيل [ ص: 141 ] بين المعذور وغيره في الجهل بتحريم الكلام يقتضي أن الأول معذور مطلقا ، وهو ما وقع في بعض نسخ شرح الروض لكنه في بعضها وشرح المنهج مصرح بإجراء التفصيل فيه أيضا والذي يظهر الجمع بحمل الأول على أن يكون ما أتى به مما يجهله أكثر العوام فيعذر مطلقا كما يؤخذ مما يأتي في مسألة التنحنح المصرح بها في الروضة وغيرها والثاني على أن يكون مما يعرفه أكثرهم فلا يعذر به إلا ( إن قرب عهده ، بالإسلام ) لأن معاوية بن الحكم تكلم جاهلا بذلك ومضى في صلاته بحضرته صلى الله عليه وسلم أو نشأ ببادية بعيدة عن عالمي ذلك وإن لم يكونوا علماء ويظهر ضبط البعد بما لا يجد مؤنة يجب بذلها في الحج توصله إليه ويحتمل أن ما هنا أضيق لأنه واجب فوري أصالة بخلاف الحج وعليه فلا يمنع الوجوب عليه إلا الأمر الضروري لا غير فيلزمه مشي أطاقه وإن بعد ولا يكون نحو دين مؤجل عذرا له ويكلف بيع نحو قنه الذي لا يضطر إليه وبحث الأذرعي أن من نشأ بيننا ثم أسلم لا يعذر وإن قرب إسلامه لأنه لا يخفى عليه أمر ديننا ا هـ ويؤخذ من علته أن الكلام في مخالط قضت العادة فيه بأنه لا يخفى عليه ذلك وجهل إبطال التنحنح عذر في حق العوام ويؤخذ منه أن كل ما عذروا بجهله لخفائه على غالبهم لا يؤاخذون به ويؤيده تصريحهم بأن الواجب عينا إنما هو تعلم الظواهر لا غير ( لا كثيرة ) عرفا فلا يعذر فيه في الصور الثلاث ( في الأصح ) وإن عذر لأنه لا يقطع نظم الصلاة وهيئتها ( و ) يعذر ( في التنحنح ونحوه ) مما مر معه ( للغلبة ) عليه .

[ ص: 142 ] لكن إن قل عرفا على المعتمد ولو ابتلي شخص بنحو سعال دائم بحيث لم يخل زمن من الوقت يسع الصلاة بلا سعال مبطل فالذي يظهر العفو عنه ولا قضاء عليه لو شفي نظير ما يأتي فيمن به حكة لا يصبر معها على عدم الحك بل قضية هذا العفو عنه وأنه لا يكلف انتظار الزمن الذي يخلو فيه عن ذلك لكن قضية ما مر في السلس أنه يكلف ذلك فيهما ، وهو محتمل ويحتمل الفرق بأنه يحتاط للنجس لقبحه ما لا يحتاط لغيره ولو تنحنح إمامه فبان منه حرفان لم تجب مفارقته لاحتمال عذره .

نعم إن دلت قرينة حاله على عدم العذر تعينت مفارقته على ما بحثه السبكي ، ولو لحن إمامه في الفاتحة لحنا يغير المعنى فالأوجه أنه لا تجب مفارقته حالا ولا عند الركوع بل له انتظاره لجواز سهوه كما لو قام لخامسة أو سجد قبل ركوعه [ ص: 143 ] ( و ) يعذر في التنحنح فقط أي القليل منه كما هو قياس ما قبله إلا أن يفرق ثم رأيت صنيع شيخنا في متن منهجه مصرحا بالفرق وقد ينظر فيه بأن التقييد هنا أولى منه ثم لأنه لا فعل منه ثم بخلافه هنا فإذا قيد ما لا اختيار له فيه فأولى ما له فيه اختيار وإن كان إنما فعله لضرورة توقف الواجب عليه الآن إذ غاية هذه الضرورة أنها كضرورة الغلبة بل هذه أقوى لأنه لا محيص له عنها وتلك له عنها محيص بسكوته حتى تزول لأجل ( تعذر القراءة ) الواجبة أو الذكر الواجب بدونه للضرورة ( لا ) الذكر المندوب ولا ( الجهر ) بالواجب أو غيره إذا توقف على التنحنح فلا يعذر له ( في الأصح ) لأنه لكونه سنة لا ضرورة إلى احتمال التنحنح لأجله ، نعم بحث الإسنوي استثناء الجهر بأذكار الانتقالات عند الحاجة إلى إسماع المأمومين أي بأن تعذرت متابعتهم له إلا به والأوجه في صائم نزلت نخامة لحد الظاهر من فمه واحتاج في إخراجها لنحو حرفين اغتفار ذلك لأن قليل الكلام يغتفر فيها لأعذار لا يغتفر في نظيرها نزول المفطر للجوف وبه يتجه أنه لا فرق [ ص: 144 ] بين الفرض والنفل بل يجب في الفرض ولا بين الصائم والمفطر حذرا من بطلان صلاته بنزولها لجوفه .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله حرفان ) أي أو حرف مفهم كما هو ظاهر من قوله السابق تبطل بحرفين أو حرف مفهم فسوى بينهما في الإبطال ولا مزية للتنحنح ونحوه على عدمه كما لا يخفى ( قوله والثلاث ) ينبغي أن مما يغتفر القدر الواقع في خبر ذي اليدين ( قوله أو جهل تحريمه أي ما أتى به فيها وإن علم تحريم جنسه ) يؤخذ من ذلك بالأولى صحة صلاة نحو المبلغ والفاتح بقصد التبليغ والفتح فقط الجاهل بامتناع [ ص: 141 ] ذلك وإن علم امتناع جنس الكلام فتأمله ( قوله المعذور ) أي بقرب إسلامه أو بعده عن العلماء وقوله بتحريم الكلام أي جنسه ( قوله مطلقا ) أي عن ذلك التفصيل ، وهذا اعتمده م ر ( قوله ويظهر ضبط إلخ ) ويحتمل أن يضبط بما لا حرج فيه لا يحتمل عادة م ر ( قوله وجهل إبطال التنحنح ) أي مع جهل تحريمه كذا ينبغي تأمل ثم رأيت قول العباب أو عالما تحريم التنحنح دون إبطاله بطلت ا هـ .

وأقره الشارح ، وهو ظاهر ؛ لأنه لو علم التحريم وجهل الإبطال بطلت كما صرحوا به فيمن علم تحريم الكلام وجعل الإبطال به ( قوله وجهل [ ص: 142 ] إبطال التنحنح ) أي إن قل عرفا أخذا مما سبق ( قوله إن قل عرفا ) أي ما يظهر منه من الحروف إذ مجرد الصوت لا يضر مطلقا كما تقدم فلا ينافي تقييده بالقلة وقوله على المعتمد أي خلافا لما صوبه الإسنوي ( قوله بل قضية إلخ ) أي قضية هذا الكلام الجزم في مسألة الحكة بعدم وجوب الانتظار فإن قيل به أيضا في مسألة السعال وإلا فلا بد من فرق واضح لكن قضية قوله ، وهو محتمل عدم الجزم في مسألة الحكة بما ذكر فليراجع وقال م ر يتجه انتظار زمن الخلو هنا وفي الحكة .

( قوله الذي يخلو فيه ) قد يقال هذا لا يناسب فرض المسألة المفهوم من قوله بحيث لم يخل زمن إلخ ( قوله كما لو قام لخامسة ) يؤخذ منه أنه لا يتابعه ، وهو ظاهر [ ص: 143 ] وإذا وصل إلى قراءة الركعة الأخرى فإن أتى بها على الصواب تابعه حينئذ وإلا انتظر أيضا وهكذا فإن سلم ولم يتدارك الصواب فيكمل هو صلاته حينئذ ولا يحكم ببطلان صلاته ؛ لأنا لم نتحقق أمية الإمام لاحتمال أنه سها بلحنه هكذا يظهر في جميع ذلك ، نعم إن كثر لحنه المغير للمعنى فينبغي وجوب مفارقته حالا ؛ لأنه صار كلاما أجنبيا ، وهو يبطل إذا كثر مطلقا حتى السهو والجهل هذا ولكن سيأتي في صلاة الجماعة أنه إذا أسر الإمام في الجهرية واحتمل أنه أمي ولم يفارقه حتى سلم لزمه الإعادة ما لم يتبين أنه قارئ وقياسه هنا كذلك فليتأمل ( قوله وتعذر القراءة ) أي وإن كثر كما كتبه شيخنا الرملي بخطه بهامش شرح الروض ( قوله نعم بحث الإسنوي استثناء الجهر إلخ ) اعتمد شيخنا الشهاب الرملي عدم استثناء ذلك وعليه ينبغي استثناء الجمعة إذا توقفت متابعة [ ص: 144 ] الأربعين على الجهر المذكور وكان ذلك في الركعة الأولى لتوقف صحة صلاته على متابعتهم المتابعة الواجبة لاشتراط الجماعة في الركعة الأولى لصحتها لكن لو كان لو استمروا في الركوع إلى أن يبقى في الوقت ما يسع الجمعة زال المانع واستغنى عن التنحنح فهل يجب ذلك فيه نظر ، وكذا ينبغي استثناء غير الجمعة إذا توقف حصول فرض الكفاية بهذه الجماعة على ذلك ( قوله حذرا من بطلان صلاته ) أي لأن تأثير المفطر في الصلاة فوق تأثير الكلام لاغتفار جنس الكلام في الصلاة في الجملة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث