الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ويستثنى صور أخرى استوعبتها مع بيان ما فيها في شرح العباب منها ما على رجل الذباب وإن رئي ويسير عرفا من شعر أو ريش [ ص: 97 ] نعم المركوب يعفى عن كثير شعره ومن دخان أو بخار تصعد بنار وإلا كبخار كنيف وريح دبر رطب فطاهر ، وبحث القمولي نجاسة جميع رغيف أصابه كثيره لرطوبته مردود بأنه جامد فلا يتنجس إلا مماسة فقط ولا يطهره الماء ومن غبار سرجين وما على منفذ غير آدمي مما خرج منه [ ص: 98 ] وروث منشؤه منه وذرق طير وما على فمه وفم كل مجتر كما نقله المحب الطبري عن ابن الصباغ في البعير واعتمده وفم صبي قال جمع وكذا ما تلقيه الفئران من الروث في حياض الأخلية إذا عم الابتلاء به ويؤيده بحث الفزاري العفو عن بعر فأرة في مائع عم بها الابتلاء وشرط ذلك كله أن لا يغير ، وأن يكون من غير مغلظ ، وأن لا يكون بفعله فيما يتصور فيه ذلك ( تنبيه )

علم من كلامهم في هذه المستثنيات أنها لا تنجس ملاقيها وفي شروط الصلاة أن المعفوات ثم تنجس لكن لا تبطل بها الصلاة مثلا ، وحينئذ يشكل الفرق فإن الضرورة أو الحاجة الموجبة للعفو موجودة في الكل إلا أن يقال على بعد إن أصل الضرورة هنا آكد ، وقد يؤيد ذلك عدم تأثير الخمر في نجاسة طرفها إذا تخللت .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله ويستثنى صور أخرى ) في شرح الإرشاد ونقل ابن العماد [ ص: 97 ] العفو عن بعر شاة وقع في اللبن حال الحلب فلو وجد بعر في لبن وشك في أنه وقع في حال الحلب أو لا فالوجه الحكم بنجاسته ؛ لأنه الأصل في وقوع النجاسة في اللبن ولم يتحقق سبب العفو بخلاف ما لو وجدت نجاسة في ماء وشك في أنه قليل أو كثير حيث يحكم بطهارتها ؛ لأن مجرد وقوع النجاسة في الماء لا ينجسه إلا بشرط القلة ولم تتحقق [ ص: 98 ] فالأصل الطهارة ( قوله وروث منشؤه منه إلخ ) ويعفى عما يماسه العسل من الكوارة التي تجعل من روث نحو البقر وعن روث نحو سمك لم يضعه في الماء عبثا شرح م ر ( قوله وذرق طير ) أي وإن لم يكن من طيور الماء شرح م ر ( قوله وفم صبي ) لا سيما في حق المخالط وألحق بعضهم بذلك أفواه المجانين شرح م ر .



حاشية الشرواني

( قوله ويستثنى صور أخرى إلخ ) ظاهره أنه لا فرق في هذه المذكورات حيث قيل بالعفو عنها بين الصلاة وغيرها لكن في سم ما نصه قيل والتحقيق في هذه المسائل الحكم بالتنجيس ، ولكن يعفى عنه بالنسبة للوضوء والصلاة ونحو ذلك ا هـ وليس في ذلك جزم باعتماده حتى يجعل مخالفا لما اقتضاه كلام الشارح م ر ع ش .

( قوله منها ما على رجل الذباب إلخ ) أي وما يقع من بعر الشاة في اللبن في حال الحلب فلو شك أوقع في حال الحلب أو لا فالأوجه أنه ينجس إذ شرط العفو لم نتحققه نهاية وسم قال ع ش ومثل ذلك في العفو أيضا تلويث ضرع الدابة بنجاسة تتمرغ فيها أو توضع عليه لمنع ولدها من شربها وما لو وضع الإناء في الرماد أو التنور لتسخينه فتطاير منه رماد ووصل لما في الإناء لمشقة الاحتراز عن ذلك ا هـ .

( قوله ويسير إلخ ) وقليل الدم الباقي على اللحم والعظم شرح بافضل .

وكذا في المغني إلا أنه لم يقيده بالقليل ( قوله عرفا إلخ ) وفي حاشية الهاتفي على التحفة ما نصه وبه يعلم أن اقتصار الرافعي [ ص: 97 ] كابن الصباغ على شعرتين وسليم على ثلاث ليس المراد به التحديد ، وبه صرح في المجموع انتهى وفي الإمداد والإيعاب لو قطعت شعرة أو ريشة أربعا فكالواحدة وفي فتاوى الشارح لو خلط زباد فيه شعرتان أو ثلاث بزباد فيه مثل ذلك أو لا شيء فيه بحث بعض المتأخرين أن محل العفو عن قليل شعر غير المأكول ما لم يكن بفعله فعليه ينجس الزبادان انتهى ا هـ كردي أقول لا يبعد تقييده أخذا مما مر في طرح ميتة لا دم إلخ بما إذا لم يكن الخلط لحاجة ( قوله نعم المركوب إلخ ) عبارة شرح بافضل والكثير منه للراكب ا هـ وكتب عليه الكردي ما نصه عبر في التحفة وشرحي الإرشاد والخطيب والزيادي وغيرهم بالعفو عن كثير شعر المركوب وظاهر الإطلاق يفيد ولو لغير الراكب خلاف ما جرى عليه هنا إلا أن يحمل ذاك عليه .

ويدل عليه ظاهر كلام الإيعاب ا هـ أقول وكذا يدل عليه قول شيخنا ويعفى عنه في نحو القصاص أكثر من غيره ا هـ ( قوله ومن دخان إلخ ) اعلم أن الشارح قد ذكر في الحاشية ما يفيد أن قلة الدخان وكثرته تعرف بالأثر الذي ينشأ عنه في نحو الثوب كصفرة فإن كانت صفرته في الثوب قليلة فهو قليل وإلا فهو كثير ، ثم قال والعفو عن الدخان في الماء أولى منه في نحو الثوب ؛ لأنه في هذا يظهر أثره ويدرك فيعلم وجوده وتدرك قلته وكثرته بخلاف الماء فإذا عفي عن قليله المشاهد في نحو الثوب فأولى في الماء ا هـ .

فأفاد كما ترى في الضر واشتراط الأثر في نحو الثوب ، ونقل الهاتفي على التحفة عن الإيعاب أنه لو أوقد نجاسة تحت الماء ، واتصل به قليل دخان لم يتنجس أو كثيره فيتنجس ا هـ ومنه يعلم أنه لا فرق في العفو عن قليل دخان النجس بين كونه بفعله أو لا ولكن في الإيعاب عن الزركشي أن شرط العفو أن يكون عن غير قصد ، وأقره وفي الشبراملسي على النهاية ما نصه ويعفى عن قليل دخان النجاسة حيث لم يكن وصوله للماء ونحوه بفعله ومنه البخور بالنجس أو المتنجس كما يأتي فلا يعفى عنه وإن قل ؛ لأنه بفعله ومن البخور أيضا ما جرت به العادة من تبخير الحمامات انتهى ا هـ كلام الكردي وقوله ومنه يعلم أنه لا فرق إلخ لا يخفى ما فيه فإن الوصول بسبب الإيقاد المذكور لا يصدق عليه عرفا أنه بفعله بخلاف الوصول بسبب التبخير كما هو ظاهر ( قوله تصعد ) أي البخار ( قوله كبخار كنيف ) أي بيت الخلاء كردي .

( قوله فطاهر ) فلو ملأ منه قربة وحملها على ظهره وصلى بها صحت صلاته شيخنا ( قوله جميع رغيف إلخ ) يجوز أن يكون مراده جميع ظاهره بصري ( قوله كثيره ) أي الدخان وقوله لرطوبته أي عند رطوبته وقبل التخبيز ( قوله ومن غبار سرجين ) أي ونحوه مما تحمله الريح كالذر مغني عبارة شيخنا ومنها السرجين الذي يخبز به فيعفى عن الخبز سواء أكله منفردا أو في مائع كلبن وطبيخ ومثله الخبز المقمر في الدمس فلو فت في اللبن وغيره عفي عنه ، وهل يعفى عن حمله في الصلاة أو لا قال الرملي لا يعفى وخالف العلامة الخطيب فقال يعفى عنه فيها ا هـ زاد البجيرمي ولا يجب غسل الفم منه لنحو الصلاة ، ونقل عن شيخنا أنه لا يسن أيضا وفيه نظر ا هـ .

وعبارة الكردي عن شرح العباب ويعفى عما يصيب الحنطة من البول والروث حال الدياسة قال الدارمي والأحوط المستحب غسل الفم من أكله ، وقياسه أن يسن غسل جميع ما يعفى عنه ا هـ .

( قوله وما على منفذ إلخ ) عطف على قوله ما على رجل إلخ أي يعفى عنه إذا وقع في الماء مثلا سواء أغلب وقوعه فيه أم لا بشرط أن لا يطرأ عليه نجاسة أجنبية شرح بافضل قال الكردي عليه وذكر الشارح في حاشية التحفة بعد كلام ما نصه وقد يؤخذ منه العفو هنا عن منفذ الحيوان ، وإن كان دخوله الماء بفعل غيره ا هـ وقال في الإيعاب هو محتمل ، ويحتمل تقييده بما إذا لم يكن بفعله أي الغير وهو قياس كثير من الصور المستثنيات ، ثم رأيت بعض المتأخرين بحث هذا انتهى ا هـ كلام الكردي .

( قوله مما خرج منه ) كأن بال الحمار أو راث وبقي أثر ذلك بمنفذه سم على المنهج ا هـ قال الشارح في الحاشية يعفى عما في المنفذ من النجس الخارج منه لا غيره ولو من جوفه كقيئه انتهى ا هـ [ ص: 98 ] كردي ( قوله وروث ) إلى قوله ويؤيده في النهاية ( قوله وروث إلخ ) عبارة النهاية وعن روث نحو سمك لم يضعه في الماء عبثا وألحق الأذرعي به ما نشؤه من الماء الزركشي ما لو نزل طائر ، وإن لم يكن من طيور الماء وذرق فيه أو شرب منه وعلى فمه نجاسة ولم تتخلل عنه ا هـ قال ع ش قوله عبثا ومن العبث ما لو وضع فيه لمجرد التفرج عليه فيما يظهر ، وليس منه ما يقع كثيرا من وضع السمك في الآبار ونحوها لا كل ما يحصل فيها من العلق ونحوه حفظا لمائها عن الاستقذار ، وقوله م ر لم تتحلل عنه مفهومه أنها إذا تحللت ضر ، وقياس ما تقدم فيما تلقيه الفئران وفيما لو وقعت بعرة في اللبن العفو للمشقة ا هـ .

( قوله منه ) أي الماء ( قوله وذرق طير ) ويعفى عما يماسه العسل من الكوارة التي تجعل من روث نحو البقر ، وأفتى جمع من اليمن بالعفو عما يبقى في نحو الكرش مما يشق غسله وتنقيته منه نهاية ، وجزم شيخنا بهذا أي العفو عما يبقى في نحو الكرش إلخ وفي الكردي عن الإيعاب ما نصه بل بالغ بعضهم فقال الذي عليه عمل من علمت من الفقهاء وغيرهم جواز أكل المصارين والأمعاء إذا نقيت عما فيها من الفضلات ، وإن لم تغسل بخلاف الكرش وفيه نظر ، والوجه أنه لا بد من غسلها إذ لا مشقة في ذلك ، وأنه لا بد من تنقية نحو الكرش عما فيه ما لم يبق فيه نحو ريح يعسر زواله ا هـ ( قوله وفم كل مجتر ) فلا ينجس ما شرب منه ويعفى عما تطاير من ريقه المتنجس نهاية أي ووصل لثوب أو بدن أو غيرهما ع ش ( قوله وفم صبي ) لا سيما في حق المخالط له كما صرح به ابن الصلاح ، ويؤيده ما في المجموع أنه يعفى عما تحقق إصابة بول ثور الدياسة له بل ما نحن فيه أولى وألحق بعضهم بذلك أفواه المجانين .

وجزم به الزركشي نهاية قال ع ش قوله م ر وفم صبي أي بالنسبة لثدي أمه وغيره ، وقوله م ر عما تحقق أي وإن سهل غسله كان شاهد أثر النجاسة على قدر معين ككف ومثل البول الروث ا هـ .

( قوله قال جمع إلخ ) جزم به النهاية والمغني ، ثم قال الأول والضابط في جميع ذلك أن العفو منوط بما يشق الاحتراز عنه غالبا ا هـ قال ع ش قوله م ر بما يشق إلخ من ذلك ما جرت به العادة من وقوعه نجاسة من الفئران ونحوها في الأواني المعدة للاستعمال في البيوت كالجرار والأباريق ونحوهما وما يقع لإخواننا المجاورين أي في الأزهر من أن الواحد منهم يريد الاحتياط فيتخذ له إبريقا ليستنجي منه ، ثم يجد فيه بعد فراغ الاستنجاء زبل فيران ومنه أيضا زرق الطيور في الطعام ا هـ .

( قوله في مائع ) أي أو جامد رطبا وقوله وأن لا يكون بفعله أي قصدا لا تبعا كردي ( قوله وفي شروط إلخ ) عطف على في هذه إلخ ( قوله مثلا ) أي كالطواف ( قوله في الكل ) أي في كل من نحو الصلاة وغيرها ( قوله ويؤيد ذلك ) أي الفرق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث