الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وتكره الصلاة عند الاستواء ) وإن ضاق وقته ؛ لأنه يسع التحريم للنهي الصحيح عنه ( إلا يوم الجمعة ) ولو لمن لم يحضرها لحديث فيه لكن فيه مقال إلا أن يكون قد اعتضد ( وبعد ) أداء فعل ( الصبح حتى ) تطلع الشمس بخلافه قبل فعلها يجوز النفل مطلقا ومن طلوعها حتى ( ترتفع الشمس كرمح ) طوله نحو سبعة أذرع في رأي العين وإلا فالمسافة طويلة سواء أصلى الصبح أم لا ( و ) بعد أداء فعل ( العصر ) ولو لمن جمع تقديما ( حتى ) تصفر الشمس بخلافه قبل فعلها يجوز النفل مطلقا ومن الاصفرار حتى ( تغرب ) لمن صلى العصر ومن لم يصلها فالكراهة تتعلق بالفعل في وقتين وبالزمن في ثلاثة أوقات كما تقرر وهي للتحريم وقيل للتنزيه وعليهما لا تنعقد ؛ لأنها لذات كونها صلاة وإلا لحرمت كل عبادة وهي تنافي الانعقاد إذ لا يتناولها مطلق الأمر وإلا كان مطلوبا منهيا عنه من جهة واحدة وهو محال كما هو مقرر في الأصول

وأصل ذلك ما صح من طرق متعددة { أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في تلك الأوقات } مع التقييد بالرمح ، أو الرمحين في رواية أبي نعيم في مستخرجه على مسلم لكنه مشكل بما يأتي في العرايا أنهم عند الشك في الخمسة أو الدون [ ص: 442 ] أخذوا بالأكثر وهو الخمسة احتياطا فقياسه هنا امتداد الحرمة للرمحين لذلك وقد يجاب بأن الأصل جواز الصلاة إلا ما تحقق منعه وحرمة الربا إلا ما تحقق حله فأثر الشك هنا الأخذ بالزائد وثم الأخذ بالأقل عملا بكل من الأصلين فتأمله ومع الإشارة إلى حكمة النهي بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ومعنى كونها بين قرنيه وفاقا لجمع محققين وإن نازع فيه آخرون وأطال ابن عبد السلام في الانتصار إلى أنه تعبد محض وأن ما أبدى له من الحكم الكثيرة كلها غير متضحة ، بل متكلفة وقد نهينا عن التكلف أنه يلصق ناصيته بها حتى يكون سجود عابديها سجودا له ( إلا لسبب ) لم يتحره متقدم على الفعل ، أو مقارن له ( كفائتة ) ولو نافلة اتخذها وردا { لصلاته صلى الله عليه وسلم سنة الظهر بعد العصر لما شغل عنها } ، والمختص به إدامتها بعد لا أصل فعلها ( تنبيه )

علل غير واحد اختصاص هذه الإدامة به صلى الله عليه وسلم بأنه { كان إذا عمل عملا داوم عليه } ويرده ما يأتي في معنى الراتب المؤكد وغيره وما جاء في رواية { أنه صلى الله عليه وسلم في نومهم عن الصبح قضى سنتها ولم يداوم عليها } وبتسليمه فمعنى داوم عليه أنه كان لا يتركه إلا لما هو أهم ، أو لبيان الجواز وما ذكره المتكلمون في الخصائص أن منها مداومته في هذه الصورة ولم يتعرضوا لما سواها ووجه الخصوصية حرمة المداومة فيها على أمته وإباحتها له على ما يصرح به كلام المجموع أو ندبها له على ما نقله الزركشي وعليهما فتركه صلى الله عليه وسلم للمداومة لا إشكال فيه بوجه فتأمله ( وكسوف ) ؛ لأنها معرضة للفوات ( وتحية ) لم يدخل المسجد بقصدها فقط ( وسجدة شكر ) وتلاوة كما بأصله وكان إيثارها ؛ لأنها محل النص ؛ لأن كعب بن مالك رضي الله عنه فعلها بعد الصبح لما نزلت توبته ومحله إن لم تقرأ قبل الوقت ، أو فيه بقصد السجود فقط فيه وإلا لم تنعقد [ ص: 443 ] أي إن استمر قصد تحريه إلى دخول الوقت فيما يظهر ، وكذا يقال في كل تحر ؛ لأن قصد الشيء قبل وقته المنقطع قبله لا وجه للنظر إليه ويؤيده ما يأتي في رد قول جمع المكروه تأخيرها إليه إلى آخره وركعتي طواف وصلاة جنازة ولو على غائب على الأوجه وإعادة مع جماعة ولو إماما خلافا للبلقيني ومن تبعه نعم يلزمه نية الإمامة كما يأتي وصلاة استسقاء وسنة وضوء

وكذا عيد وضحى بناء على دخول وقتهما بالطلوع وقد نقل ابن المنذر الإجماع على فعل الفائتة وصلاة الجنازة بعد الصبح ، والعصر ويقاس بهما ما في معناهما مما ذكر أما ما لا سبب لها كصلاة التسبيح وذات السبب المتأخر كركعتي الاستخارة وركعتي الإحرام ونوزع فيه بأن سببهما إرادته لا فعله ويرد بمنع ذلك ، بل هو السبب الأصلي ، والإرادة من ضروريات وقوعه أما إذا تحرى إيقاع صلاة غير صاحبة الوقت في الوقت المكروه من حيث كونه مكروها أخذا من قول الزركشي الصواب الجزم بالمنع إذا علم بالنهي وقصد تأخيرها ليفعلها فيه فيحرم مطلقا ولو فائتة يجب قضاؤها فورا ؛ لأنه معاند للشرع وعبر الزركشي وغيره بمراغم للشرع بالكلية وهو مشكل بتكفيرهم من قيل له قص أظفارك فقال لا أفعله رغبة عن السنة فإذا اقتضت الرغبة عن السنة التكفير فأولى هذه المعاندة ، والمراغمة ويجاب بتعين حمل هذا على أن المراد أنه يشبه المراغمة ، والمعاندة لا أنه موجود فيه حقيقتهما وقول جمع المكروه وتأخيرها إليه لا إيقاعها فيه مردود بأن المنهي عنه بالذات الإيقاع لا التأخير

وكذا إذا دخل المسجد بقصد التحية فقط بخلاف تأخير الصلاة على ميت حضر قبل الصبح ، والعصر لكثرة المصلين عليه بعدهما ( تنبيه )

فيه تحقيق لكثير مما سبق ورد لأوهام وقعت فيه اعلم أن المعتمد أن المراد بالمتأخر وقسيميه بالنسبة للصلاة لا للوقت المكروه فصلاة الجنازة ، والفائتة ونحو صلاة الاستسقاء ، والكسوف [ ص: 444 ] والنذر وسنة الطواف ، والتحية ، والوضوء أسبابها من طهر الميت وتذكر الفائتة ، والقحط ، والكسوف ، والنذر ، والطواف ودخول المسجد ، والوضوء متقدمة على الأول وعلى الثاني إن تقدمت على الوقت فمتقدمة وإلا فمقارنة وهذا التفصيل أولى من إطلاق المجموع في الثانية أن سببها متقدم وغيره أنه مقارن وقيل تحرم ؛ لأن سببها متأخر أي وهو الغيث ويرد بأن القحط هو الحامل عليها لطلب الغيث فالأول هو السبب الأصلي فكانت إناطة الحكم به أولى قيل وقع في المجموع حرمتها وهو سبق قلم انتهى وليس في محله ، بل الذي فيه حلها ونازع الغزالي في جواز سنة الوضوء بأنه لا يكون سببا للصلاة ، بل هي سببه فاستحالت نيته بها بأن يضيفها إليه

ويرد بأن معنى كونه سببا لها أنه سبب لندب صلاة مخصوصة عقبه لا لمطلق الصلاة وكونها سببه أن مشروعيته لأجل الصلاة من حيث هي صلاة وواضح فرقان ما بين المقامين فبطلت الاستحالة التي ذكرها ، والمعادة لتيمم ، أو انفراد لا يكون سببها إلا مقارنا لاستحالة وجود سبب لها قبل الوقت ، وكذا العيد ، والضحى بناء على دخول وقتهما بالطلوع ويأتي في التحية حال الخطبة وفيمن شرع في صلاة قبل الخطبة فصعد الخطيب المنبر أنه يلزمه الاقتصار على ركعتين فيحتمل القياس ويحتمل الفرق بأن ذاك أغلظ لاستواء ذات السبب وغيرها ، ثم لا هنا والذي يتجه القياس في الأولى بجامع أن كلا لم يؤذن له إلا في ركعتين فالزيادة عليهما كإنشاء صلاة أخرى مطلقا ، ثم ولا سبب لها هنا لا في الثانية فإذا نوى أكثر من ركعتين من النفل المطلق ، ثم دخل وقت الكراهة ولم يتحر تأخير بعضها إليه لم يلزمه الاقتصار على ركعتين بدخوله ؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ( وإلا ) صلاة ( في ) بقعة من بقاع ( حرم مكة ) المسجد وغيره مما حرم صيده ( على الصحيح ) للحديث الصحيح { يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا [ ص: 445 ] طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار } ولزيادة فضلها ثم فلا يحرم من استكثارها للمقيم به ولأن الطواف صلاة بالنص واتفقوا على جوازه فالصلاة مثله قال المحاملي ، والأولى عدم الفعل خروجا من خلاف من حرمه انتهى لا يقال هو مخالف للسنة الصحيحة كما عرف ؛ لأنا نقول ليس قوله وصلى صريحا في إرادة ما يشمل سنة الطواف وغيرها وإن كان ظاهرا فيه نعم في رواية صحيحة { لا تمنعوا أحدا صلى } من غير ذكر الطواف وبها يضعف الخلاف

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : إلا أن يكون قد اعتضد ) عبارة شرح الروض ولا يضر كونه مرسلا لاعتضاده بأنه صلى الله عليه وسلم استحب التبكير إليها ، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء ا هـ وقد يقال قضية هذا العاضد استثناء ما بعد الصبح وما بعد الطلوع إلا أن يقال هذا إنما ذكر تقوية للنص الوارد في الزوال فلا يتوسع فيه مع كون القاعدة في هذه الأوقات المنع إلا ما نص على استثنائه ، ثم رأيته في شرح العباب بعد حكايته ما تقدم من أنه استحب التبكير ، ثم رغب إلخ عن البيهقي قال واعترضه السبكي بأنه يتوقف على صحة الترغيب فيه بدليل خاص حتى يقدم على حديث النهي ا هـ

( قوله : بخلافه قبل فعلها ) أي : فلا يكره هذه الكراهة المخصوصة فلا ينافي ما نقله في شرح العباب في باب صلاة التطوع في الكلام على الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح باضطجاع ، أو حديث غير دنيوي من أنه جزم المتولي بكراهة التنفل حينئذ ا هـ .

( قوله : وإلا لحرمت إلخ ) هذه الملازمة ممنوعة قطعا لجواز أن يكون النهي لخارج غير لازم ويختص بها ؛ لأن ذلك [ ص: 442 ] الخارج لا يوجد إلا فيها ، بل كونه لخارج صريح كلامهم فليتأمل ( قوله : أخذوا بالأكثر ) لعل الصواب بالأقل يعرف بتأمل الحديث ، والحكم ( قوله : بأنها تطلع وتغرب ) انظر هل يشمل هذا ما بعد فعلى الصبح [ ص: 443 ] والعصر وما عند الزوال ( قوله : المنقطع قبله ) يخرج المنقطع فيه ( قوله : بخلاف تأخير الصلاة إلخ ) هذا من [ ص: 444 ] محترز قوله السابق من حيث كونه مكروها

( قوله : ويرد بأن القحط إلخ ) يرد أيضا بأنه لو سلم فالسبب طلب الغيث لا نفسه ، والطلب قطعا غير متأخر ( قوله : فيحتمل القياس ) أي : لما هنا على ما هناك ( قوله : يتجه القياس في الأولى ) أي : فيمتنع على داخل المسجد وقت الكراهة صلاة التحية أربعا مثلا ( قوله : ؛ لأنه يغتفر في الدوام إلخ ) بقي ما لو كان أطلق نيته فلم ينو عددا مخصوصا فهل يصلي ما شاء إذا دخل الوقت ، أو يقتصر على ركعتين ويظهر الثاني وعليه فلو دخل الوقت وهو في ثالثة ، أو رابعة مثلا فهل يتمها ويقتصر عليها فيه نظر ولا يبعد [ ص: 445 ] أن الأمر كذلك ( قوله : ، والأولى عدم الفعل ) قد يقتضي كون الأولى عدم الفعل عدم انعقاد نذرها

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث