الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في استقبال القبلة

جزء التالي صفحة
السابق

( ومن صلى ) فرضا ، أو نفلا ( في ) داخل ( الكعبة ) من كعبته ربعته ، والكعبة كل بيت مربع كذا في القاموس وفي كلامهم أن إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم بنى الكعبة مربعة ولا ينافيه اختلاف بعد ما بين أركانها ؛ لأنه قليل لا ينافي التربيع وهذا أعني أن سبب تسميتها كعبة تربيعها أوضح من جعل سببها ارتفاعها كما سمي كعب الرجل بذلك لارتفاعه وأصوب من جعله استدارتها إلا أن يريد قائله بالاستدارة التربيع مجازا أو يكون أخذ الاستدارة في الكعب سببا لتسميته لكنه مخالف لكلام أئمة اللغة ( واستقبل جدارها ، أو بابها ) حال كونه ( مردودا ) وإن لم ترتفع عتبته [ ص: 494 ] إن سامت بعض الباب كما هو ظاهر

( أو ) حال كونه ( مفتوحا ) لكن ( مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع ) بذراع الآدمي تقريبا ( أو ) صلى ( على سطحها ) ، أو في عرصتها ( الكعبة ) لو انهدمت ، والعياذ بالله تعالى ( مستقبلا من بنائها ) ، أو ما ألحق به كعصا مسمرة ، أو ثابتة وشجرة ثابتة وتراب منها مجتمع ( ما سبق جاز ) لتوجهه إلى جزء من البيت وإن بعد عنه ، أكثر من ثلاثة أذرع ، أو خرج بعض بدنه عن هواء الشاخص ؛ لأنه متوجه ببعضه جزءا وبباقيه هواءها لكن تبعا فلا ينافيه ما يأتي وقضية كلامهم أن الشجرة الجافة هنا كالرطبة وحينئذ فيشكل بما يأتي في الأصول ، والثمار أنها لا تكون مثلها إلا إن عرش عليها مثلا ويجاب بأن الثبوت يختلف عرفا المراد به هنا وثم ألا ترى أنه ثم في الوتد بمجرد الغرور هنا بزيادة الثبوت فإن قلت [ ص: 495 ] هذا مقو للإشكال قلت لا ؛ لأن الملحظ هنا ثبوت يصيره كالجزء في الشرف ، واليابسة فيها ذلك بزيادة ؛ لأنها ليست أجنبية بخلاف الوتد المغروز وثم ثبوت يصيره كالجزء المنتفع به بالقوة ، أو بالفعل ، والوتد كذلك بخلاف اليابسة التي ليس عليها نحو تعريش ونقل بعضهم اشتراط وقف نحو العصا الثابتة وقد يؤيده ما قررته من الفرق لكن ظاهر كلامهم خلافه ويوجه بأنه يعد منها باعتبار الظاهر وإن استحق الإزالة من وجه آخر وصح { أنه صلى الله عليه وسلم صلى فيها النفل } ورواية { لم يصل فيها } أي في مرة أخرى كما صح إذ المثبت مقدم على النافي وإذا ثبت جواز النفل فيها جاز له الفرض أيضا إذ لا فارق بين الاستقبال فيهما في الحضر ومن ثم لم يراعوا خلاف المانع فيهما لكنه ظاهر في النفل لصريح المخالفة فيه دون الفرض ؛ لأن القياس المذكور قابل للمنع بأن النفل اغتفر فيه حصرا أيضا ما لم يغتفر في الفرض إلا أن يجاب بأن الأصل استواء الفرض ، والنفل في الشروط إلا إذا ورد دليل بالفرق

ولم يرد هنا وأيضا فعلة المنع لم تتضح وما لم تتضح العلة فيه لا بد من نص صريح فيه إذ الأمور التعبدية لا تثبت إلا بالنصوص الصريحة فكان الخلاف فيه ضعيف المدرك جدا وما ضعف مدركه كذلك لا يراعى ، بلالنفل داخلها أفضل منه ببقية المسجد ( الكعبة ) بخلاف البيت فإنه فيه أفضل منه حتى من الكعبة كما شمله الحديث ، بل نقل الإجماع على أنه فيه أفضل منه في غيره حتى المسجد الحرام ، وكذاك الفرض أفضل في الكعبة إلا إذا رجا جماعة خارجها ؛ لأن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمحلها أما إذا لم يستقبل ما ذكر فلا يصح ؛ لأنه صلى فيه لا إليه وإنما جاز استقبال هوائها لمن هو خارجها ( الكعبة ) هدمت ، أو وجدت ؛ لأنه يسمى عرفا مستقبلا لها بخلاف من فيها ؛ لأنه في هوائها فلا يسمى عرفا مستقبلا له فاندفع ما شنع به بعض الحنفية غفلة عن رعاية العرف المناط به ضابط الاستقبال اتفاقا

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( صلى فرضا ، أو نفلا في داخل الكعبة ) ( قوله : أو يكون أخذ الاستدارة إلخ ) كيف الاستثناء على هذا فتأمله ( قوله : [ ص: 494 ] أو ثابتة ) عبارة شرح الروض ، أو مبنية كما صرح بها في الأصل ، ثم قال في الروض لا حشيش وعصا مغروزة قال في شرحه ؛ لأنه لا يعد من أجزائها ويخالف العصا الأوتاد المغروزة في الدار حيث تعد منها بدليل دخولها في بيعها بجريان العادة بغرزها للمصلحة فعدت من الدار لذلك ا هـ ، وأما مسألة الشجرة الجافة فقد يفرق بأن من شأنها في الدار لا المسجد الإزالة ( قوله : أو خرج ) فلا يشترط غلظ الشاخص بحيث يسامت جميع بدنه ( قوله : [ ص: 495 ] بخلاف اليابسة إلخ ) في نفي الانتفاع بالقوة عنها نظر مع إمكان التعليق بها ووضع نحو جذع عليها ( قوله : أي في مرة أخرى كما صح ) قد يقال لا حاجة مع ذلك لقوله إذ المثبت إلخ ا هـ .

( قوله : خارجها ) أي : دون داخلها



حاشية الشرواني

( قوله : فرضا ، أو نفلا ) كذا في النهاية ، والمغني ( من كعبته ) أي : بالتشديد كما في القاموس ، أو بالتخفيف كما في ع ش عن المصباح ( قوله : ولا ينافيه ) أي : في كلامهم ( قوله : لا ينافي التربيع ) قد يقال بل ينافيه إذ هو عبارة عن تساوي الأضلاع الأربعة ويجاب بأن المراد التربيع الحسي إذ به يكتفي أهل اللغة في الإطلاق لا الحقيقي بصري ( قوله : من جعل سببها ارتفاعها ) جرى عليه النهاية ، والمغني ( قوله : كما سمي إلخ ) من تتمة الجعل المذكور ( قوله : بذلك ) أي بلفظ الكعب ( قوله : من جعله ) أي سبب التسمية ( قوله : قائله ) أي جاعله ( قوله : أو يكون أخذ الاستدارة إلخ ) كيف الاستثناء على هذا سم عبارة البصري قوله : أو يكون إلخ يحتاج إلى تأمل إذ لا يظهر وجه صحته فضلا عن مخالفته فليتأمل ا هـ وقد يقال يعني الشارح كما أن سبب تسمية كعب الرجل بذلك أخذ الاستدارة في مفهوم الكعب كذلك سبب تسمية الكعبة المشرفة بذلك أخذ الاستدارة في مفهومه ( قوله : لكنه مخالف إلخ ) أي : اعتبار الاستدارة في مفهوم الكعب

( قوله : وإن لم ترتفع ) إلى قوله [ ص: 494 ] لأنه متوجه في النهاية إلا أنه أبدل ثابتة بمبنية ( قوله : إن سامت إلخ ) احتراز عما إذا طول رجل الباب ، أو ركب الباب من جانب العلو إلى محل لا يسامت المتوجه إلى المنفذ شيئا من الباب لعدم امتداده إلى الأسفل ويأتي عن المغني ، والنهاية ما هو كالصريح في هذا التصوير الثاني وبذلك يندفع قول البصري ما نصه قوله إن سامت كذا في أصله بخطه رحمه الله تعالى ، والظاهر وإن إلخ ، ثم رأيت في النهاية وإن إلخ ا هـ وقوله ، ثم رأيت في النهاية إلخ لعله في نسخة مصلحة وإلا فما اطلعنا عليه من نسخ النهاية فمثل عبارة الشارح بلا واو ( قوله : بذراع الآدمي ) إلى قوله فلا ينافيه في المغني إلا أنه كالنهاية وشيخ الإسلام عبر بمبنية بدل ثابتة

( قوله : أو ما ألحق به إلخ ) عبارة المغني ، والنهاية ، أو استقبل شاخصا كذلك أي قدر ثلثي ذراع متصلا بالكعبة وإن لم يكن قدر قامته طولا وعرضا كشجرة نابتة وعصا إلخ وزاد الأول ولو أزيل هذا الشاخص في أثناء صلاته لم يضر ؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ا هـ قال السيد البصري قوله ولو أزيل إلخ يؤذن بأنه منقول المذهب وفي سم على المنهج لو أزيل الشاخص في الصلاة هل يغتفر الوجه لا وفاقا لمر وليس كزوال الرابطة في الأثناء ؛ لأن أمر الاستقبال فوق الرابطة ا هـ وأقرع ع ش كلام سم المذكورة ونقل البجيرمي عن الزيادي ما يوافقه وعن الشهاب الرملي ما يوافق كلام المغني ، ثم قال وانظر لو انهدم بعضها ووقف خارجها مستقبلا هواء المنهدم دون شيء من الباقي ( الكعبة ) هل يكفي ؛ لأنه يعد مستقبلا أو لا لقدرته على استقبال الباقي وظاهر كلامهم الأول قياسا على ما لو ارتفع على جبل أبي قبيس واستقبل هواءها مع إمكان الانخفاض بحيث يستقبل نفسها ( الكعبة ) سم و ع ش وإطفيحي ا هـ

( قوله : كعصا إلخ ) أي بخلاف ما إذا صلى إلى متاع موضوع ، أو زرع نابت ، أو خشبة مغروزة فيها لم تصح صلاته وظاهر كلامهم أنه لو استقبل الشاخص المذكور أي المتصل بالكعبة وهو قدر ثلثي ذراع في حالة قيامه دون بقية صلاته كأن استقبل خشبة عرضها ثلثا ذراع معترضة في باب الكعبة تحاذي صدره في حال قيامه دون بقية صلاته أنها تصح وفي ذلك وقفة ، بل الذي ينبغي أنها لا تصح في هذه الحالة إلا على الجنازة ؛ لأنه مستقبل في جميع صلاته بخلاف غيرها ؛ لأنه في حال سجوده غير مستقبل لشيء منها مغني ونهاية وفي الكردي عن الشوبري عن م ر ، والأوجه صحة تحرمه بغير الجنازة إلى وجود المبطل ا هـ .

( قوله : مسمرة ) قال الشيخ عميرة ولو سمرها ليصلي إليها ، ثم يأخذها ( عصا من الكعبة ) فالظاهر أنه لا يكفي ويحتمل خلافه ا هـ وارتضى م ر هذا الخلاف فليتأمل سم على المنهج ا هـ ع ش ( قوله : أو ثابتة ) في النهاية ، والمغني أي وشرحي المنهج ، والروض بدله ، أو مبنية فلعل المراد بالثابتة المبنية ، أو صواب تلك المثبتة فهي مساوية لها بصري أقول : وقول الشارح الآتي ويجاب إلخ كالصريح في الأول

( قوله : وتراب منها إلخ ) أي لا الذي تلقيه الريح شرح بافضل وزيادي عبارة ع ش ينبغي أن مثله أي التراب المجتمع منها أحجارها المقلوعة سم على المنهج ولو شك في التراب هل هو منها أم لا ( استقبال الكعبة ) لم تصح صلاته فيما يظهر ا هـ قول المتن ( ما سبق ) وهو قدر ثلثي ذراع وإن جمع ترابها أمامه ، أو نزل في منخفض منها كحفرة كفى نهاية قول المتن ( جاز ) أي : ما صلاه مغني ( قوله : أو خرج إلخ ) أي : فلا يشترط غلظ الشاخص بحيث يسامت جميع بدنه سم ( قوله : بعض بدنه ) أي : طولا ، أو عرضا ( قوله : جزءا ) أي : من الكعبة ( قوله : ما يأتي ) أي : في قوله وإنما جاز استقبال هوائها إلخ كردي ( قوله : أن الشجرة الجافة ) أي النابتة بقرينة ما بعده ( قوله : كالرطبة ) قد يقال إن كان ثبوتها مع جفافها كثبوت العصا المسمرة فكالرطبة أو المغروزة فلا لم يكن بعيدا ويمكن أن يبقى على إطلاقه ويفرق بأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء فليتأمل بصري أقول وهذا الثاني هو قضية إطلاقهم جواز الاستقبال إلى شجرة ثابتة ( الكعبة ) ( قوله : ألا ترى أنه ثم ) أي الثبوت في البيع ( بمجرد الغرز وهنا بزيادة الثبوت ) أي بالبناء وهذا صريح في عدم كفاية [ ص: 495 ] الوتد المغروز عند الشارح وفاقا للنهاية ، والمغني ، والأسنى فقول البجيرمي وفي حج أنه يكفي استقبال الوتد المغروز ا هـ خلاف الصواب إلا إذا أراد في غير التحفة وشرح بافضل فليراجع

( قوله : هذا ) أي الجواب المذكور ( مقو للإشكال ) أي ؛ لأنه إذا لم يكف هنا ما يدخل هناك وهو الوتد المغروز فبالأولى لا يكفي هنا ما لا يدخل هناك وهي الشجرة الجافة ( قوله : بخلاف اليابسة إلخ ) في نفي الانتفاع بالقوة عنها نظر مع إمكان التعليق ووضع نحو جذع عليها سم ( قوله : لكن ظاهر كلامهم خلافه ) جزم به المغني ( قوله : من وجه آخر ) أي من حيث كونه ملكا للغير ( قوله : وصح ) إلى قوله لكنه في النهاية إلا قوله أو المثبت مقدم على النافي ( قوله : ورواية لم يصل إلخ ) عبارة النهاية وروى أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه { أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت في اليوم الأول ولم يصل ودخل في الثاني وصلى } وفي هذا جواب عن نفي أسامة الصلاة ، والأصحاب ومنهم المصنف في شرح المهذب قد أجابوا باحتمال الدخول مرتين وقد ثبت ذلك بالنقل لا بالاحتمال ا هـ .

( قوله : أي في مرة إلخ ) خبر ورواية إلخ ( قوله : كما صح ) قد يقال لا حاجة مع ذلك لقوله إذا المثبت إلخ سم وفي نسخة صحيحة مقابلة على أصل الشارح مرارا ، أو المثبت إلخ بالواو بدل الذال وموضوع فوقه صح وعليها فلا إشكال ( قوله : ومن ثم ) أي : من أجل عدم الفارق

( قوله : لم يراعوا إلخ ) يأتي عن النهاية ، والمغني ما يوافقه وعلم بذلك عدم صحة إفتاء بعض الطلبة بأولوية ترك الصلاة في الحجر خروجا من خلاف المانع كالإمام مالك ( قوله : لكنه إلخ ) أي : عدم سن رعاية الخلاف ( قوله : لصريح المخالفة إلخ ) أي للحديث الصحيح السابق آنفا ( قوله : بأن النفل إلخ ) متعلق بالمنع ( قوله : أيضا ) أي : كفعله في البيت الحرام ( قوله : فعلة المنع ) أي : حكمة المنع في الفرض ( قوله : الخلاف فيه ) أي : في الفرض ( قوله : بل النفل ) إلى قوله فاندفع في النهاية ، والمغني ( قوله : بل النفل داخلها أفضل إلخ ) ومثله النذر ، والقضاء نهاية ( قوله : ببقية المسجد ) أي : الحرام ( قوله : بخلاف البيت ) أي : بيت الإنسان رشيدي وكردي ( قوله : على أنه فيه ) أي النفل في بيت الإنسان ( قوله : أفضل منه في غيره إلخ ) أي : إلا ما استثني ( قوله : وكذا الفرض إلخ ) وإنما لم يراع خلاف من قال بعدم صحة الصلاة في الكعبة لعدم احترامه لمخالفته لسنة صحيحة { فإنه صلى الله عليه وسلم صلى فيها } مغني ونهاية ( قوله : إلا إذا رجا إلخ ) عبارة النهاية ، وكذا من لم يرج جماعة خارج الكعبة بأن لم يرجها أصلا ، أو يرجها داخلها ، أو داخلها وخارجها فإن رجاها خارجها فقط فخارجها أفضل ا هـ .

( قوله : خارجها ) أي دون داخلها سم ( قوله : أولى من الفضيلة إلخ ) أي : كالجماعة ببيته فإنه أفضل من الانفراد في المسجد نهاية ومغني ( قوله : أما إذا لم يستقبل ما ذكر ) أي : كأن كان الشاخص أقل من ثلثي ذراع نهاية ومغني ( قوله : فلا يصح ) أي : ما صلاه ( قوله : فيه لا إليه ) أي : البيت الحرام

( قوله : لمن هو خارجها إلخ ) أي : ولو على نحو جبل أبي قبيس نهاية ومغني ( قوله : مستقبلا له ) أي : للبيت الحرام



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث