الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في استقبال القبلة

جزء التالي صفحة
السابق

( ومن أمكنه علم القبلة ) بأن كان بالمسجد الحرام ، أو خارجه [ ص: 496 ] ولا حائل أو وثم حائل أحدثه لغير حاجة أو أحدثه غيره تعديا وأمكنته إزالته فيما يظهر ( حرم عليه التقليد ) وهو الأخذ بقول الغير الناشئ عن الاجتهاد وأراد به هنا الأخذ بقول الغير ولو عن علم ويفرق بين هذا واكتفاء الصحابة رضوان الله عليهم بالإخبار عنه صلى الله عليه وسلم مع إمكان اليقين بالسماع منه ، والأخذ بقول الغير في المياه ونحوها بأن المدار في القبلة لكونها أمرا حسيا على اليقين بخلاف الأحكام ونحوها ( والاجتهاد ) كمجتهد وجد النص فعلم أن من بالمسجد وهو أعمى أو في ظلمة لا يعتمد إلا المس الذي يحصل له به اليقين أو إخبار عدد التواتر

وكذا قرينة قطعية بأن كان قد رأى محلا فيه من جعل ظهره له مثلا يكون مستقبلا ، أو أخبره بذلك عدد التواتر ( وإلا ) يمكنه علم عينها ، أو أمكنه وثم حائل ولو حادثا بفعله لحاجة لكن إن لم يكن تعدى بإحداثه ، أو زال تعديه فيما يظهر فيهما ( أخذ ) وجوبا [ ص: 497 ] في الأولى ، وكذا في الثانية إن لم يتكلف المعاينة ولا يجوز له الاجتهاد ( بقول ثقة ) في الرواية يصير ولو أمة لا كافر قطعا ولا فاسق وغير مكلف على الأصح ويجب سؤاله إن سهل بأن لم تكن فيه مشقة عرفا كما هو ظاهر ( يخبر عن علم ) كقوله هذه الكعبة ، أو رأيت الجم الغفير يصلون لهذه الجهة [ ص: 498 ] أو القطب مثلا هنا وهو عالم بدلالته وكمحراب وهو بقرية نشأ بها قرون من المسلمين بشرط أن يسلم من الطعن لا ككثير من قرى أرياف مصر وغيرها أو بجادة يكثر طارقوها من المسلمين

نعم يجوز الاجتهاد في المحراب المذكور بأقسامه يمنة ويسرة لإمكان الخطأ فيهما مع ذلك ولا يجب خلافا للسبكي ؛ لأن الظاهر أنه على الصواب وبه يعلم أن المراد بالعلم هنا ما يشمل الظن لا جهة لاستحالته فيها وجعل بعضهم إخبار صاحب المنزل عن القبلة من ذلك حتى يجب الأخذ به ويحرم الاجتهاد ويتعين حمله على ما إذا لم يعلم أن سبب إخباره اجتهاده وإلا لم يجز لقادر على الاجتهاد الأخذ بخبره كما هو ظاهر وما ثبت { أنه صلى الله عليه وسلم صلى إليه } [ ص: 499 ] ومثله محاذيه كما هو واضح يمتنع الاجتهاد فيه ولو يمنة ويسرة ؛ لأنه لا يقر على خطأ وليس مثله ما نصبه الصحابة رضي الله عنهم كقبلة البصرة ، والكوفة

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : ومن أمكنه علم القبلة ) أي : بلا مشقة لا تحتمل [ ص: 496 ] قوله : ولو عن علم ) أي : ؛ لأن اليقين مقدم عليه ( قوله : واكتفاء الصحابة إلخ ) هذا إن اكتفى الصحابة بالإخبار عنه إذا كانوا بحضرته وإلا فقد لا يحتاج للفرق فليتأمل ( قوله : بأن المدار إلخ ) قد يفرق بأن القبلة في جهة واحدة إذا علمت لم يبق احتياج إلى البحث عنها بعد ذلك فلا مشقة في الإلزام باليقين بخلاف ما ذكر ( قوله : لكن إلخ ) يفيد اجتماع التعدي مع الحاجة ( تنبيه )

يؤخذ من جواز الأخذ بقول المخبر عن علم عند وجود الحائل المذكور أي للمشقة حينئذ ومن قوله الآتي إن لم تكن فيه مشقة عرفا أن الأعمى إذا دخل المسجد الحرام ، أو مسجدا محرابه معتمد وشق عليه لمس الكعبة في الأول ، أو المحراب في الثاني [ ص: 497 ] لامتلاء المحل بالناس ، أو امتداد الصفوف للصلاة ، أو نحو ذلك سقط عنه وجوب اللمس وجاز له الأخذ بقول المخبر عن علم وهو ظاهر وفي ذلك مزيد في شرحنا لأبي شجاع ( قوله : ويجب سؤاله ) هل يجب تكرير سؤاله لكل فرض ( قوله : كقوله هذه الكعبة إلخ ) انظر لو تعارضت هذه الأمور ما المقدم وقوله الجم الغفير لعل [ ص: 498 ] المراد عدد التواتر

( قوله : نشأ بها قرون من المسلمين ) قال السيوطي في فتاويه ليس المراد بالقرون ثلثمائة [ ص: 499 ] سنة بلا شك ولا مائة سنة ولا نصفها وإنما المراد جماعات من المسلمين صلوا إلى هذا المحراب ولم ينقل عن أحد منهم أنه طعن فيه فهذا هو الذي لا يجتهد فيه في الجهة ويجتهد فيه في التيامن ، والتياسر وقد عبر في شرح المهذب بقوله في بلد كبير ، أو في قرية صغيرة يكثر المارون بها حيث لا يقرونه على الخطأ فلم يشترط قرونا وإنما شرط كثرة المارين وذلك مرجعه إلى العرف وقد يكتفى في مثل ذلك بسنة وقد يحتاج إلى أكثر بحسب كثرة مرور الناس بها وقلته فالمرجع إلى كثرة الناس ولا إلى طول الزمن ويكفي الطعن من واحد إذا ذكر له مستندا ، أو كان من أهل العلم بالميقات فذلك يخرجه عن رتبة اليقين الذي لا يجتهد معه ومن صلى إلى محراب ، ثم تبين فقد شرطه المذكور أي وهو مضي القرون ، والسلامة من الطعن لزمه الإعادة ؛ لأن واجبه حينئذ الاجتهاد ولا يجوز له الاعتماد عليه كما صرح به في شرح المهذب ومن واجبه الاجتهاد إذا صلى بدونه أعاد ويجب على الإنسان قبل الإقدام البحث عن وجود الشرط المذكور وإذا صلى قبله بدون اجتهاد لم تنعقد صلاته ا هـ وسئل أيضا عما إذا نشأ جماعة ببلدة عمر كل واحد منهم نحو خمسين سنة وهم يصلون إلى محراب زاوية كان على عهد آبائهم ببلدهم وهم لا يعرفون أمضى عليه قرون أم لا وهل طعن فيه أحد أم لا

ثم ورد عليه شخص يعرف الميقات فقال لهم هذا فاسد وأحدث لهم محرابا غيره منحرفا عنه هل يلزمهم اتباع قوله ويلزمهم إعادة ما صلوا إلى الأول فأجاب بقوله محراب الزاوية المذكورة وإن كان ببلدة كبيرة ، أو صغيرة كثر المرور بها ولم يسمع فيها طعن فالصلاة إليه صحيحة وإن كانت صغيرة ولم يكثر المرور بها لم تصح إلا بالاجتهاد ويتبع قول الميقاتي في تحريفه إن كان بارعا فيه موثوقا به وقليل ما هم ولا يلزم إعادة ما تقدم من الصلوات ا هـ وقوله ولا يلزم إعادة ما تقدم من الصلوات في هذا نظر فليتأمل فيه مع قوله فيما مر عن فتاويه الوجه الإعادة وإذا صلى قبله بدون اجتهاد لم تنعقد صلاته إذ مقتضاه وجوب الإعادة هنا ( قوله : وليس مثله ما نصبه الصحابة ) صريح في جواز الاجتهاد يمنة [ ص: 500 ] أو يسرة في محراب المسجد الأقصى خلافا لما توهمه جمع من الطلبة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث