الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في استقبال القبلة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 502 ] ( ومن عجز عن الاجتهاد وتعلم الأدلة ) وهي كثيرة فيها تصانيف متعددة ( كأعمى ) بصر أو بصير ( قلد ) وجوبا ( ثقة ) في الرواية كأمة لا غير مكلف ولا فاسق وكافر إلا إن علمه قواعد صيرت له ملكة يعلم القبلة بحيث يمكنه أن يبرهن عليها وإن نسي تلك القواعد كما هو ظاهر وكلام الماوردي المخالف لذلك ضعيف ( عارفا ) بالأدلة كالعامي في الأحكام يقلد مجتهدا فيها فإن صلى بلا تقليد قضى وإن أصاب وإن اختلف عليه مجتهدان أخذ بقول أعلمهما وأوثقهما ندبا وقال جمع وجوبا [ ص: 503 ] ( وإن قدر ) على تعلم الأدلة ( فالأصح وجوب التعلم ) عينا لظواهرها دون دقائقها إن كان بحضر ، أو أراد سفرا يقل فيه العارفون وليس بين قرى متقاربة بها محاريب معتمدة كما هو ظاهر لكثرة الاشتباه حينئذ مع ندرة من يرجع إليه بخلاف من بحضر وسفر يكثر عارفوه ، أو بين قرى كذلك بأن يسهل عادة رؤية عارف ، أو محراب معتمد قبل ضيق الوقت فإن التعلم حينئذ فرض كفاية فيصلي بالتقليد ولا يقضي وإنما وجب تعلم بقية الشروط عينا مطلقا ؛ لأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ، والسلف بعده ألزموا آحاد الناس بذلك مطلقا بخلاف بقية الشروط ( تنبيه )

إلحاق الحضر بالسفر فيما ذكر ظاهر وتفرقتهم بينهما إنما هي باعتبار غلبة وجود العارف ، أو ما يقوم مقامه في الحضر دون السفر وإذا لزمه التعلم عينا عصى بتركه ( فيحرم التقليد ) وإن ضاق الوقت عن تعلمها فيصلي على حسب حاله ويقضي

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : ومن عجز عن الاجتهاد ) يتأمل هذا مع ما تقدم يعلم أن العالم بالفعل بأدلة القبلة يمتنع تقليده مطلقا وإن كان التعلم فرض كفاية وغير العالم بالفعل ينظر فيه فإن كان التعلم فرض كفاية في حقه جاز له التقليد بلا قضاء وإن كان فرض عين في حقه وجب عليه التعلم وامتنع التقليد فإن قلد لزمه القضاء وعبارة الروضة ظاهرة في كل ذلك ( قوله : مجتهدان ) لو اتحد أحدهما وتعدد الآخر قلد من شاء منهما م ر ( قوله : وأوثقهما ) قال في شرح الإرشاد فإن كان أحدهما أوثق [ ص: 503 ] والآخر أعلم فالظاهر استواؤهما إلخ ا هـ .

وفي شرح العباب فالأولى تقديم الأوثق إلخ ا هـ .

( قوله : يقل فيه العارفون ) راجع أيضا لحضر كما يدل عليه ما يأتي

( قوله : عينا ) قال في الروضة فإن قلنا ليس بفرض عين صلى بالتقليد ولا يقضي كالأعمى وإن قلنا فرض عين لم يجز التقليد فإن قلد قضى لتقصيره وإن ضاق الوقت عن التعلم فهو كالعالم إذا تحير وتقدم الخلاف فيه ا هـ فهل يشترط التأخير لضيق الوقت بأن لا يبقى إلا قدر الصلاة كما في التحير على ما تقدم ، أو يفرق فيه نظر



حاشية الشرواني

قول المتن ( ومن عجز عن الاجتهاد إلخ ) يتأمل هذا مع ما تقدم يعلم أن العالم بالفعل بأدلة القبلة يمتنع تقليده مطلقا وإن كان التعلم فرض كفاية وغير العالم بالفعل ينظر فيه فإن كان التعلم فرض كفاية في حقه جاز له التقليد بلا قضاء وإن كان فرض عين في حقه وجب عليه التعلم وامتنع التقليد فإن قلد لزمه القضاء وعبارة الروضة ظاهرة في كل ذلك سم على حج ا هـ رشيدي ( قوله : كأعمى بصر ) إلى قوله إلا أن علمه في النهاية ، والمغني ( قوله : ولا فاسق إلخ ) أي : ولا مرتكب خارم المروءة مع السلامة من الفسق على الأقرب ع ش ( قوله : ولا فاسق وكافر ) لعل صوابهما النصب ( قوله : إلا أن علمه إلخ ) ظاهره رجوع الضمير المستتر لواحد من الثلاثة المذكورة وإن كان قضية كلام النهاية رجوعه للكافر فقط عبارته نعم قال الماوردي لو استعلم مسلم من مشرك دلائل القبلة ووقع في قلبه صدقه واجتهد لنفسه في جهات القبلة جاز ؛ لأنه عمل في القبلة على اجتهاد نفسه وإنما قبل خبر المشرك في غيرها قال الأذرعي وما أظنهم يوافقونه عليه ونظر فيه الشاشي وقال إذا لم يقبل خبره في القبلة لا يقبل في أدلتها إلا أن يوافق عليها مسلم وسكون نفسه إلى خبره لا يوجب أن يعول عليه الحكم ا هـ وهذا هو المعتمد ا هـ قال ع ش قوله م ر وهذا هو المعتمد أي قوله م ر ونظر فيه الشاشي إلخ ا هـ

وقال الرشيدي قوله م ر إلا أن يوافق عليها إلخ لا يخفى أن منه ، بل أولى ما إذا كان للمسلمين في ذلك قواعد مدونة كما هو الواقع وكان لا يستقل بفهمها فأوقفه على فهم معانيها كافر فليس ذلك من محل النزاع ا هـ .

( قوله : صيرت له ملكة إلخ ) يظهر أنه حيث علم القواعد بالأدلة الدالة على صحتها واستلزامها كان الحكم كذلك وإن لم يحصل له ملكة فتأمل بصري ( قوله : وكلام الماوردي المخالف إلخ ) لعل مراده بالمخالفة أن كلام الماوردي يفيد أنه إذا تعلم منه الأدلة وقلده في العمل بمقتضاها كأن أخبره بأن التيمم إذا استقبلته ، أو استدبرته على صفة كذا كنت مستقبلا للكعبة وهو على هذا التقدير ضعيف أما إذا تعلم أصل الأدلة منه ، ثم توصل بذلك إلى استخراجها من الكتب واجتهد في ذلك حتى صار له ملكة يقتدر بها على معرفة صحيح الأدلة من فاسدها لم يمتنع عليه العمل بمقتضاها بل يجب عليه الأخذ به وبما تقرر يعلم أنه لا مخالفة بين ما ذكره الشارح م ر وما ذكره حج ع ش قول المتن ( عارفا ) أي : بخلاف غير العارف نهاية ومغني

( قوله : كالعامي إلخ ) عبارة النهاية ، والمغني { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ا هـ .

( قوله : فإن صلى ) إلى المتن في المغني وإلى التنبيه في النهاية إلا قوله وقال جمع وجوبا ( قوله : وإن أصاب ) أما ما صلاه بالتقليد وصادف فيه القبلة أو لم يتبين له الحال فلا إعادة عليه فيه ويجب عليه إعادة السؤال لكل فريضة تحضر بناء على الخلاف المتقدم في تجديد الاجتهاد كما ذكره في الكفاية نهاية ومغني ( قوله : مجتهدان ) ولو اتحد أحدهما وتعدد الآخر قلد من شاء منهمام ر سم على حج ا هـ ع ش ( قوله : أخذ بقول أعلمهما إلخ ) قال في شرح الإرشاد فإن كان أحدهما أوثق ، والآخر أعلم فالظاهر استواؤهما إلى آخره ا هـ .

وفي شرح العباب فالأولى تقديم الأوثق إلخ ا هـ سم على حج وهو المعتمد وبقي ما لو اختلف عليه مخبران عن علم ، أو ما هو بمنزلته كأن قال له شخص القطب في هذا الموضع يكون أمامك وقال الآخر يكون خلف أذنك اليسرى مثلا فهل يأخذ بقول أحدهما كالمجتهدين أو يتساقطان عنده فيه نظر ولعل الثاني أقرب ع ش بحذف

( قوله : ندبا إلخ ) عبارة المغني ندبا كما في الشرح الكبير للرافعي ووجوبا كما في الصغير له قال بعض المتأخرين وهو الأشبه ونقله في الكفاية عن نص الأم فإن استويا تخير وقيل يصلي مرتين ا هـ .

( قوله : وقال جمع وجوبا ) لكن المعتمد التخيير وهو [ ص: 503 ] الذي جرى عليه الشارح في كتبه ، وكذا غيره من المتأخرين نعم تقليد الأوثق ، والأعلم عنده أولى كردي قول المتن ( وإن قدر ) أي : المكلف نهاية ومغني ( قوله : دون دقائقها ) صادق بما إذا تمكن من تعلمها دون الظواهر وعدم وجوبها حينئذ محل تأمل بصري وظاهر أن ما صوره من فرض المحال

( قوله : يقل فيه إلخ ) أي : الحضر ، أو السفر عبارة سم قوله يقل فيه العارفون راجع أيضا لحضر كما يدل عليه ما يأتي ا هـ وعبارة النهاية وينبغي أن يلحق بالمسافر أي في وجوب التعلم عينا أصحاب الخيام ، والنجعة إذا قلوا ، وكذا من قطن بموضع بعيد من بادية ، أو قرية ، أو نحو ذلك ا هـ .

( قوله : وليس إلخ ) الظاهر أنه راجع للسفر فقط كما هو صريح قول النهاية ولو سافر من قرية إلى أخرى قريبة بحيث يقطع المسافة قبل خروج وقت الصلاة فهو كالحضر كما استظهره الشيخ ا هـ .

( قوله : وسفر ) الواو بمعنى ، أو ( قوله : محاريب إلخ ) أي ، أو عارفون ( قوله : يكثر عارفوه ) ينبغي أن المراد بالكثرة أن يكون في الركب أي ، أو الحضر جماعة متفرقة فيه بحيث يسهل على كل من أراد السؤال عن القبلة وجود واحد منهم من غير مشقة قوية تحصل في قصده له ع ش عبارة البصري قال سم على المنهج لو كان في السفر عارف واحد فينبغي وفاقا لشيخنا الطبلاوي جواز السفر من غير تعلم تدبر انتهى وقد يقال هو متجه عند صغر الركب بحيث يسهل مراجعته فينبغي إناطة الحكم بقدر الحاجة ، ثم رأيته في فتح الجواد قال بحيث تسهل مراجعة ثقة منهم قبل خروج الوقت فيما يظهر انتهى ا هـ وعبارة الكردي عن حاشية الإيضاح للشارح قضية كلام السبكي أنه لا بد من ثلاثة ويوجه بأن الواحد قد يموت ، أو ينقطع بخلاف الثلاثة فإن الغالب بقاء بعضهم إلى انقضاء السفر ا هـ

( قوله : وإنما وجب إلخ ) الأولى وإنما لم يجب عينا مطلقا كبقية الشروط ؛ لأنه إلخ ( قوله : مطلقا ) أي : سفرا أو حضرا قل به العارفون ، أو كثروا ( قوله : بذلك ) أي : بتعلم أدلة القبلة ( مطلقا ) أي : سفرا وحضرا ( قوله : تنبيه ) إلى قول المتن ومن صلى في المغني ، والنهاية ما يوافقه قول المتن ( فيحرم التقليد ) فإن قلد لزمه القضاء نهاية وسم ( قوله : فيصلي إلخ ) فهل يشترط التأخير لضيق الوقت بأن لا يبقى إلا قدر الصلاة كما في التحير على ما تقدم ، أو يفرق سم وكلام النهاية كالصريح في الاشتراط ، وكذا المغني عبارته فيحرم التقليد ضاق الوقت عن التعلم ، أو اتسع فإن ضاق صلى كيف كان ووجب عليه الإعادة ، والثاني لا يجب عليه التعلم بخصوصه بل هو فرض كفاية فيجوز له التقليد ولا يقضي ما يصليه به ا هـ



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث