الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم

قل تلوين للخطاب وأمر له صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يثبت المؤمنين ويقوي عزائمهم على الانتهاء عما نهوا عنه من موالاة الآباء والإخوان ويزهدهم فيهم وفيمن يجري مجراهم ويقطع علائقهم عن زخارف الدنيا الدنية على وجه التوبيخ والترهيب، أي قل يا محمد للمؤمنين: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم لم يذكر الأبناء والأزواج فيما سلف وذكرهم هنا لأن ما تقدم في الأولياء وهم أهل الرأي والمشورة والأبناء والأزواج تبع ليسوا كذلك وما هنا في المحبة، وهم أحب إلى كل أحد ( وعشيرتكم ) أي : ذوو قرابتكم ، وقيل : عشيرة الرجل أهله الأدنون ، وأيا ما كان فذكره للتعميم والشمول وهو من العشرة أي الصحبة لأنها من شأن القربى ، وقيل من العشرة العدد المعروف وسميت العشيرة بذلك على هذا لكمالهم لأن العشرة كما علمت عدد كامل أو لأن بينهم عقد نسب كعد العشرة فإنه عقد من العقود وهو معنى بعيد .

وقرأ أبو بكر عن عاصم ( عشيراتكم ) ، والحسن ( عشائركم ) وأنكر أبو الحسن وقوع الجمع الأول في كلامهم وإنما الواقع الجمع الثاني وأموال اقترفتموها أي اكتسبتموها ، وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره من قرفت القرحة إذا قشرتها ، والقرف القشر ، ووصفت الأموال بذلك إيماء إلى عزتها عندهم لحصولها بكد اليمين وعرق الجبين ( وتجارة ) أي : أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح تخشون كسادها بفوات وقت رواجها بغيبتكم عن مكة المعظمة في أيام المواسم ومساكن ترضونها منازل تعجبكم الإقامة فيها ، والتعرض للصفات المذكورة للإيذان بأن اللوم على محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا لا ينافي ما فيها من مبادئ المحبة وموجبات الرغبة فيها وأنها مع مالها من فنون المحاسن بمعزل عن أن تكون كما ذكر سبحانه بقوله : أحب إليكم من الله ورسوله بالحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو الملازمة وتقديم الطاعة لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه ولا يؤاخذ عليه ولا يكلف الإنسان بالامتناع عنه وجهاد في سبيله أي : طريق ثوابه ورضاه سبحانه ، ولعل المراد به هنا أيضا الإخلاص ونحوه لا الجهاد وإن أطلق عليه أيضا أنه سبيل الله تعالى ، ونظم حب هذا في سلك حب الله تعالى شأنه وحب رسوله عليه الصلاة والسلام تنويها بشأنه وتنبيها على أنه مما يجب أن يحب فضلا عن أن يكره وإيذانا بأن محبته راجعة إلى محبة الله عز وجل ومحبة حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم فإن الجهاد عبارة عن قتال أعدائهما لأجل عداوتهم، فمن يحبهما يجب أن يحب قتال من لا يحبهما ( فتربصوا ) أي انتظروا حتى يأتي الله بأمره أي بعقوبته سبحانه لكم عاجلا أو آجلا على ما روي عن الحسن واختاره الجبائي ، وروي عن ابن عباس ، ومجاهد ، ومقاتل أنه فتح مكة .

والله لا يهدي القوم الفاسقين أي : الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين وتقديم محبة من ذكر على محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أو القوم الفاسقين كافة ويدخل المذكورون دخولا أوليا ، أي لا يهديهم إلى ما هو خير لهم ، والآية أشد آية نعت على الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله سبحانه بلطفه ، وفي الحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله تعالى ويبغض في الله تعالى حتى يحب في الله سبحانه أبعد الناس ويبغض في الله عز وجل أقرب الناس " والله تعالى الموفق لأحسن الأعمال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث