الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء

أو يكون لك بيت من زخرف من ذهب كما روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما، وأصله الزينة وإطلاقه على الذهب لأن الزينة به أرغب وأعجب، وقرأ عبد الله: «من ذهب» وجعل ذلك في البحر تفسيرا لا قراءة؛ لمخالفته سواد المصحف أو ترقى في السماء أي: تصعد في معارجها فحذف المضاف، يقال: رقي في السلم والدرجة، والظاهر أن السماء هنا المظلة، وقيل: المراد المكان العالي وكل ما ارتفع وعلا يسمى سماء، قال الشاعر:


وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر



ولن نؤمن لرقيك أي: لأجل رقيك فيها وحده أو لن نصدق رقيك فيها حتى تنزل منها علينا كتابا نقرؤه بلغتنا على أسلوب كلامنا وفيه تصديقك قل تعجبا من شدة شكيمتهم وفرط حماقتهم سبحان ربي أو قل ذلك تنزيها لساحة الجلال عما لا يكاد يليق بها من مثل هذه الاقتراحات التي تضمنت ما هو من أعظم المستحيلات كإتيان الله تعالى على الوجه الذي اقترحوه أو عن طلب ذلك، وفيه تنبيه على بطلان ما قالوه.

وقرأ ابن كثير وابن عامر: «قال سبحان ربي» أي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كنت إلا بشرا رسولا كسائر الرسل عليهم السلام، وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله تعالى على أيديهم حسبما تقتضيه الحكمة من غير تفويض إليهم فيه ولا تحكم منهم عليه سبحانه، و «بشرا» خبر كان و «رسولا» صفته، وهو معتمد الكلام، وكونه بشرا توطئة لذلك ردا لما أنكروه من جواز كون الرسول بشرا ودلالة على أن الرسل عليهم السلام من قبل كانوا كذلك، ولهذا قال الزمخشري: هل كنت إلا رسولا كسائر الرسل بشرا مثلهم، وزعم بعض أن ذكر بشرا ليس للتوطئة؛ فإن طلب القوم منه عليه الصلاة والسلام ما طلبوه يحتمل أن يكون طلب أن يأتي به بقدرة نفسه صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون طلب أن يأتي به بقدرة الله تعالى فذكر بشرا لنفي أن يأتي بذلك بقدرة نفسه كأنه قال: هل كنت إلا بشرا، والبشر لا قدرة له على الإتيان بذلك، وذكر رسولا لنفي أن يأتي به بقدرة الله تعالى كأنه قيل: هل كنت إلا رسولا، والرسول لا يتحكم على ربه سبحانه.

[ ص: 170 ] وتعقب بأن هذا مع ما فيه من مخالفة لآثار كما ستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى ظاهر في جعل الاسمين خبرين وهو مما يأباه الذوق السليم، وقال الخفاجي: إن كون الاسمين خبرين غير متوجه لأنه يقتضي استقلالها وأنهم أنكروا كلا منهما حتى رد عليهم بذلك، ولم ينكر أحد بشريته صلى الله عليه وسلم، وتعقب بأنهم لما طلبوا منه عليه الصلاة والسلام ما لا يتأتى من البشر كالرقي في السماء كانوا بمنزلة من أنكر بشريته وهو كما ترى.

وجوز بعضهم كون «بشرا» حالا من النكرة وسوغ ذلك تقدمه عليها وهو ركيك؛ لأنه يقتضي أن له صلى الله عليه وسلم حالا آخر غير البشرية، ولا يقول بذلك أحد اللهم إلا أن يكون من الوجودية، هذا والظاهر اتحاد القائل لجميع ما تقدم، ويحتمل عدم الاتحاد بأن يكون بعض اقترح شيئا وبعض آخر اقترح آخر لكن نسب القول إلى الجميع لرضا كل بما اقترح الآخر.

وأخرج سعيد بن منصور وغيره، عن ابن جبير أن قوله تعالى: وقالوا لن نؤمن لك إلخ نزل في عبد الله بن أبي أمية وهو ظاهر في أنه القائل، ولا يعكر عليه ضمير الجمع لما أشرنا إليه.

وأخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب، والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف وناسا آخرين اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه فجاءهم صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنهم قد بدا لهم في أمره بداء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذرك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك؛ لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله تعالى بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم. فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا، فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من قد مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب؛ فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل، فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله تعالى وأنه بعثك رسولا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله تعالى بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم. قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فاسأل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما [ ص: 171 ] تقول، فيراجعنا عنك وتسأله أن يجعل لك جنانا كنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنك عما نراك تبتغي فإنك تقول بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم. قالوا: فتسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله تعالى إن شاء فعل بكم ذلك فقالوا: يا محمد، فأعلم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك مما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؛ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال قائلهم: لن نؤمن لكن حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا، فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا يتعرفوا بها منزلتك من الله تعالى فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما يخوفهم به من العذاب فوالله لا نؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة معك بأربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لأصدقك ثم انصرف وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعديهم فأنزل عليه هذه الآيات، وقوله تعالى: كذلك أرسلناك في أمة قد خلت الآية. وقوله سبحانه: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال الآية اه. والله تعالى أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث