الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك

وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا رد على اليهود والنصارى وبني مليح حيث قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله تعالى، والملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ونفي اتخاذ الولد ظاهر في نفي التبني، ويعلم منه نفي أن يكون له سبحانه ولد الصلب من باب أولى، وقد نفي ذلك صريحا في قوله تعالى: لم يلد ولم يكن له شريك في الملك ظاهره أنه رد على الثنوية وهم المشركون في الربوبية، ويجوز أن يكون كناية عن نفي الشركة في الألوهية فيكون ردا على الوثنية.

ولم يكن له ولي من الذل أي: ناصر ومانع له سبحانه من الذل لاعتزازه تعالى بنفسه، ف «من» صلة لولي وضمن معنى المنع والنصر أو لم يوال تعالى أحدا من أجل مذلة، فالولاية بمعنى المحبة على أصلها ومن تعليلية، وليس المعنى على الوجهين نفي الذل والنصر في الأول والموالاة والذل في الثاني على أسلوب: - لا يهتدى بمناره - بل المراد أنه تعالى إذا اتخذ عبدا له وليا فذلك محض الاصطناع في شأن العبد لا أن هناك حاجة، وكذلك نصر الله تعالى كمال للناصر لا أن ثمة حاجة، ألا ترى إلى قوله سبحانه: إن تنصروا الله ينصركم وإلى هذا ذهب صاحب الكشف وهو حسن، وجعل ذلك على الوجهين الفاضل الطيبي من ذاك الأسلوب، وفي الحواشي الشهابية في بيان ثاني الوجهين أن المراد نفي أن يكون له تعالى مولى يلتجئ هو سبحانه إليه، وأما الولي الذي يوصف به المؤمن فليس الولاية فيه بهذا المعنى بل بمعنى من يتولى أمره لمحبته له تفضلا منه عز وجل ورحمة فغاير بين الولايتين، ولعل الحق مع صاحب الكشف، ومن عجيب ما قيل إن «من الذل» في موضع الصفة لولي، ومن فيه للتبعيض، وأن الكلام على حذف مضاف؛ أي: لم يكن له ولي من أهل الذل، والمراد بهم اليهود والنصارى، ولعمري إنه لا ينبغي أن يلتفت إليه.

وربما يتوهم أن المقام مقام التنزيه لا مقام الحمد لأنه يكون على الفعل الاختياري وبه وما ذكر من الصفات العدمية ويدفع بأنه لاق وصفه تعالى بما ذكر بكلمة التحميد لأنه يدل على نفي الإمكان المقتضي للاحتياج وإثبات أنه تعالى الواجب الوجود لذاته الغني عما سواه المحتاج إليه ما عداه فهو الجواد المعطي لكل قابل ما يستحق فهو تعالى المستحق للحمد دون غيره عز وجل، وهذا الذي عناه الزمخشري وقال في الكشف: لك أن تتخذ نفي هذه الصفات وهي ذرائع منع المعروف، أما الولد فلأنه مبخلة، وأما الشريك فلأنه مانع من التصرف كيف يشاء، وأما الاحتياج إلى من يعتز به أو يذب عنه فأظهر رديفا لإثبات أضدادها على سبيل الكناية [ ص: 196 ] وهو وجه حسن ولو حمل الكلام على ظاهره أيضا لكان له وجه؛ وذلك لأن قول القائل: الحمد لله فيه ما ينبئ أن الإلهية تقتضي الحمد فإذا قلت: الحمد لله المنزه عن النقائص مثلا يكون قد قويت معنى الإلهية المفهومة من اللفظ فيكون وصفا لائقا مؤيدا لاستحقاقه تعالى الحمد من غير نظر إلى مدخلية الوصف في الحمد بالاستقلال وهذا بين مكشوف، إلا أن الزمخشري حاول أن ينبه على مكان الفائدة الزائدة اه.

وتعقب بأن ما ذكره من أن في الحمد لله ما ينبئ أن الإلهية تقتضي الحمد لا يتم على مذهب مانعي الاشتقاق في الاسم الكريم وفيه تأمل. والآية على ما قال العلامة الطيبي من التقسيم الحاصر لأن المانع من إيتاء النعم إما فوقه سبحانه وتعالى أو دونه أو مثله عز وجل، فبنى الكلام على الترقي وبدأ من الأدون وختم بالأعلى فنفى الكل فمنه ولد الكثرة وله القل والدق والجل تعالى كبرياؤه وعظمت نعماؤه، ولدلالة ما تقدم على أنه تعالى هو الكامل وما عداه ناقص استحق التكبير؛ ولذا عطف عليه قوله سبحانه: وكبره تكبيرا والتكبير أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، وفي الأمر بذلك بعد ما تقدم مؤكدا بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظم به تعالى إشارة إلى أنه مما لا تسعه العبارة ولا تفي به القوة البشرية وإن بالغ العبد في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد فلم يبق إلا الوقوف بأقدام المذلة في حضيض القصور والاعتراف بالعجز عن القيام بحقه جل وعلا وإن طالت القصور.

وروى غير واحد أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم الغلام من بني عبد المطلب إذا أفصح: الحمد لله إلى آخر الآية سبع مرات، وسماها عليه الصلاة والسلام كما أخرج أحمد والطبراني عن معاذ آية العز.

وأخرج أبو يعلى وابن السني عن أبي هريرة قال: خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده فأتى على رجل رث الهيئة فقال: أي فلان، ما بلغ بك ما أرى. قال: السقم والضر. قال صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟ توكلت على الحي الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا... الآية فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حسنت حالته فقال: مهيم. فقال: لم أزل أقول الكلمات التي علمتني.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج والبيهقي في الأسماء والصفات عن إسماعيل بن أبي فديك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كربني أمر إلا مثل لي جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا» إلى آخر الآية.

وأخرج ابن السني والديلمي عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إذا أخذت مضجعك فقولي: «الحمد لله الكافي، سبحان الله الأعلى، حسبي الله وكفى، ما شاء الله قضى، سمع الله لمن دعا، ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجى، توكلت على ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا - إلى: وكبره تكبيرا. ثم قال صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يقرؤها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فتضره».

هذا وما ألطف المناسبة بين ابتداء هذه السورة، وهذا الختام وليس ذلك بدعا في كلام اللطيف العلام.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث