الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله

الذين أخرجوا من ديارهم في حيز الجر على أنه صفة للموصول قبل أو بيان له أو بدل منه أو في محل النصب على المدح أو في محل الرفع بإضمار مبتدأ ، والجملة مرفوعة على المدح ، والمراد الذين أخرجهم المشركون من مكة بغير حق متعلق بالإخراج أي أخرجوا بغير ما يوجب إخراجهم .

وجوز أن يكون صفة مصدر محذوف أي أخرجوا إخراجا كائنا بهذه الصفة ، واختار الطبرسي كونه في موضع الحال أي كائنين بغير حق مترتب عليهم يوجب إخراجهم ، وقوله تعالى : إلا أن يقولوا ربنا الله استثناء متصل من ( حق ) وأن وما بعدها في تأويل مصدر بدل منه لما في غير من معنى النفي ، وحاصل المعنى لا موجب لإخراجهم إلا التوحيد وهو إذا أريد بالموجب الموجب النفس الأمري على حد قول النابغة :


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب



وجوز أن يكون الإبدال من غير وفي أخرجوا معنى النفي أي لم يقروا في ديارهم إلا بأن يقولوا إلخ وهو كما ترى ، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعا وأوجبه أبو حيان أي ولكن أخرجوا بقولهم ربنا الله ، وأوجب نصب ما بعد إلا كما أوجبوه في قولهم : ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر ، ورد كونه متصلا وكون ما بعد إلا بدلا من ( حق ) بما هو أشبه شيء بالمغالطة ، ويفهم من كلامه جواز أن تكون إلا بمعنى سوى صفة لحق أي أخرجوا بغير حق سوى التوحيد ، وحاصله أخرجوا بكونهم موحدين .

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع تحريض على القتال المأذون فيه بإفادة أنه تعالى أجرى العادة بذلك في الأمم الماضية به الأمر وتقوم الشرائع وتصان المتعبدات من الهدم فكأنه لما قيل أذن للذين يقاتلون إلخ قيل فليقاتل المؤمنون فلولا القتال وتسليط الله تعالى المؤمنين على المشركين في كل عصر وزمان لهدمت متعبداتهم ولذهبوا شذر مذر ، وقيل : المعنى لولا دفع الله بعض الناس ببعض بتسليط مؤمني هذه الأمة على كفارها لهدمت المتعبدات المذكورة إلا أنه تعالى سلط المؤمنين على الكافرين فبقيت هذه المتعبدات بعضها للمؤمنين وبعضها لمن في حمايتهم من أهل الذمة وليس بذاك ، وقال مجاهد : أي لولا دفع [ ص: 163 ] ظلم قوم بشهادة العدول ونحو ذلك لهدمت إلخ .

وقال قوم : أي لولا دفع ظلم الظلمة بعدل الولاة ، وقالت فرقة : أي لولا دفع العذاب عن الأشرار بدعاء الأخيار ، وقال قطرب : أي لولا الدفع بالقصاص عن النفوس . وقيل بالنبيين عليهم السلام عن المؤمنين والكل مما لا يقتضيه المقام ولا ترتضيه ذوو الأفهام . والصوامع جمع صومعة بوزن فعولة وهي بناء مرتفع حديد الأعلى والأصمع من الرجال الحديد القول ، وقال الراغب : هي كل بناء متصمع الرأس أي متلاصقه والأصمع اللاصقة أذنه برأسه وهو قريب من قريب ، وكانت قبل الإسلام كما قال قتادة مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئة ثم استعملت في مئذنة المسلمين ، والمراد بها هنا متعبد الرهبان عند أبي العالية ومتعبد الصابئة عند قتادة ولا يخفى أنه لا ينبغي إرادة ذلك حيث لم تكن الصابئة ذات ملة حقة في وقت من الأوقات ، والبيع واحدها بيعة بوزن فعلة وهي مصلى النصارى ولا تختص برهبانهم كالصومعة ، قال الراغب : فإن يكن ذلك عربيا في الأصل فوجه التسمية به لما قال سبحانه : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية ، وقيل هي كنيسة اليهود .

وقرأ أهل المدينة ويعقوب «ولولا دفاع » بالألف . وقرأ الحرميان وأيوب وقتادة وطلحة وزائدة عن الأعمش والزعفراني «لهدمت » بالتخفيف ، والتضعيف باعتبار كثرة المواضع . وصلوات جمع صلاة وهي كنيسة اليهود . وقيل : معبد للنصارى دون البيعة والأول أشهر ، وسميت الكنيسة بذلك لأنها يصلى فيها فهي مجاز من تسمية المحل باسم الحال ، وقيل : هي بمعناها الحقيقي وهدمت بمعنى عطلت أو في الكلام مضاف مقدر وليس بذاك ، وقيل : صلوات معرب صلوثا بالثاء المثلثة والقصر ومعناها بالعبرانية المصلى . وروي عن أبي رجاء والجحدري وأبي العالية ومجاهد أنهم قرؤوا بذلك ، والظاهر أنه على هذا القول اسم جنس لا علم قبل التعريب وبعده لكن ما رواه هارون عن أبي عمرو من عدم تنوينه ومنع صرفه للعلمية والعجمة يقتضي أنه علم جنس إذ كونه اسم موضع بعينه كما قيل بعيد فعليه كان ينبغي منع صرفه على القراءة المشهورة فلذا قيل إنه صرف لمشابهته للجمع لفظا فيكون كعرفات ، والظاهر أنه نكر إذ جعل عاما لما عرب ، وأما القول بأن القائل به لا ينونه فتكلف قاله الخفاجي .

وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما : صلوات بضم الصاد واللام ، وحكى عنه ابن خالويه بكسر الصاد وسكون اللام وحكيت عن الجحدري ، وحكي عنه أيضا «صلوات » بضم الصاد وفتح اللام وحكيت عن الكلبي ، وقرأ أبو العالية في رواية «صلوات » بفتح الصاد وسكون اللام ، وقرأ الحجاج بن يوسف صلوات بضم الصاد واللام من غير ألف وحكيت عن الجحدري أيضا ، وقرأ مجاهد «صلوتا » بضمتين وتاء مثناة بعدها ألف ، وقرأ الضحاك والكلبي «صلوث » بضمتين من غير ألف وبثاء مثلثة ، وقرأ عكرمة «صلويثا » بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء مثلثة بعدها ألف ، وحكي عن الجحدري أيضا «صلواث » بضم الصاد وسكون اللام وواو مفتوحة بعدها ألف بعدها ثاء مثلثة ، وحكي عن مجاهد أنه قرأ كذلك إلا أنه بكسر الصاد ، وحكى ابن خالويه وابن عطية عن الحجاج والجحدري «صلوب » بضمتين وباء موحدة على أنه جمع صليب كظريف وظروف وجمع فعيل على فعول شاذ فهذه عدة قراءات قلما يوجد مثلها في كلمة واحدة ومساجد جمع مسجد وهو معبد معروف للمسلمين ، وخص بهذا الاسم اعتناء بشأنه من حيث إن السجود أقرب ما يكون العبد [ ص: 164 ] فيه إلى ربه عز وجل ، وقيل : لاختصاص السجود في الصلاة بالمسلمين ، ورد بقوله تعالى : يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي [آل عمران : 43] مع الراكعين وحمل السجود فيها على المعنى اللغوي بعيد ، وقال ابن عطية : الأسماء المذكورة تشترك الأمم في مسمياتها إلا البيعة فإنها مختصة بالنصارى في عرف كل لغة ، والأكثرون على أن الصوامع للرهبان والبيع للنصارى والصلوات لليهود والمساجد للمسلمين .

ولعل تأخير ذكرها مع أن الظاهر تقديمها لشرفها لأن الترتب الوجودي كذلك أو لتقع في جوار مدح أهلها أو للتبعيد من قرب التهديم ، ولعل تأخير صلوات عن ( بيع ) مع مخالفة الترتيب الوجودي له للمناسبة بينها وبين المساجد كذا قيل ، وقيل إنما جيء بهذه المتعبدات على هذا النسق للانتقال من شريف إلى أشرف فإن البيع أشرف من الصوامع لكثرة العباد فيها فإنها معبد للرهبان وغيرهم والصوامع معبد للرهبان فقط وكنائس اليهود أشرف من البيع لأن حدوثها أقدم وزمان العبادة فيها أطول ، والمساجد أشرف من الجميع لأن الله تعالى قد عبد فيها بما لم يعبد به في غيرها ولعل المراد من قوله تعالى : لهدمت إلخ المبالغة في ظهور الفساد ووقوع الاختلال في أمر العباد لولا تسليط الله تعالى المحقين على المبطلين لا مجرد تهديم متعبدات للمليين يذكر فيها اسم الله كثيرا في موضع الصفة لمساجد ، وقال الضحاك ومقاتل والكلبي : في موضع الصفة للجميع واستظهره أبو حيان ، وكون كون بيان ذكر الله عز وجل في الصوامع والبيع والكنائس بعد انتساخ شرعيتها مما لا يقتضيه المقام ليس بشيء لأن الانتساخ لا ينافي بقاءها ببركة ذكر الله تعالى فيها مع أن معنى الآية عام لما قبل الانتساخ كما مر . ولينصرن الله من ينصره وبالله أي لينصرن الله تعالى من ينصر دينه أو من ينصر أولياءه ولقد أنجز الله تعالى وعده حيث سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم وأورثهم أرضهم وديارهم إن الله لقوي على كل ما يريده من مراداته التي من جملتها نصرهم عزيز لا يمانعه شيء ولا يدافعه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث