الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات

عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أي أن يعطيه عليه الصلاة والسلام بدلكن أزواجا خيرا منكن والخطاب لجميع زوجاته صلى الله تعالى عليه وسلم أمهات المؤمنين على سبيل الالتفات ، وخوطبن لأنهن في مهبط الوحي وساحة العز والحضور ، ويرشد إلى هذا ما أخرجه البخاري عن أنس قال : قال عمر : اجتمع نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت : " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله خيرا منكن " فنزلت هذه الآية وليس فيها أنه عليه الصلاة والسلام لم يطلق حفصة وأن في النساء خيرا منهن مع أن المذهب على ما قيل : إنه ليس على وجه الأرض خير منهن لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه ، وجوز أن يكون الخطاب للجميع على التغليب ، وأصل الخطاب لاثنتين منهن وهما المخاطبتان أولا بقوله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما إلخ فكأنه قيل : عسى ربه إن طلقكما وغيركما أن يبدله خيرا منكما ومن غيركما من الأزواج ، والظاهر أن عدم دلالة الآية على أنه عليه الصلاة والسلام لم يطلق حفصة وأن في النساء خيرا من أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم على حاله لأن التعليق على طلاق الاثنتين ولم يقع فلا يجب وقوع المعلق ولا ينافي تطليق واحدة ، وقال الخفاجي والتغليب في خطاب الكل مع أن المخاطب أولا اثنتان ، وفي لفظة " إن " الشرطية أيضا الدالة على عدم وقوع الطلاق .

وقد روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم طلق حفصة فغلب ما لم يقع من الطلاق على الواقع وعلى التعميم لا تغليب في الخطاب ولا في " إن " . انتهى ، وفيه بحث ، ثم إن المشهور أن عسى في كلامه تعالى للوجوب ، وأن الوجوب هنا إنما هو بعد تحقق الشرط ، وقيل : هي كذلك إلا هنا ، والشرط معترض بين اسم عسى وخبرها .

والجواب محذوف أي إن طلقكن فعسى إلخ ، و أزواجا مفعول ثان - ليبدل – و خيرا صفته وكذا ما بعد ، وقرأ أبو عمرو في رواية عياش «طلقكن » بإدغام القاف في الكاف .

وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير « يبدله » بالتشديد للتكثير مسلمات مقرات مؤمنات مخلصات لأنه يعتبر في الإيمان تصديق القلب ، وهو لا يكون إلا مخلصا ، أو منقادات على أن الإسلام بمعناه اللغوي مصدقات قانتات مصليات أو مواظبات على الطاعة مطلقا تائبات مقلعات عن الذنب عابدات متعبدات أو متذللات لأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سائحات صائمات كما قال ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ، وروي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قال الفراء : وسمي الصائم سائحا لأن السائح لا زاد معه . وإنما يأكل من حيث يجد الطعام ، وعن زيد بن أسلم ويمان : مهاجرات ، وقال ابن زيد : ليس في الإسلام سياحة إلا الهجرة ، وقيل : ذاهبات في طاعة الله تعالى أي مذهب .

وقرأ عمرو بن فائد «سيحات » ثيبات جمع ثيب من ثاب يثوب ثوبا ، وزنه فيعل كسيد وهي التي تثوب أي ترجع عن الزوج أي بعد زوال عذرتها وأبكارا جمع بكر من بكر إذا خرج بكرة وهي أول النهار ، وفيها معنى التقدم سميت بها التي لم تفتض اعتبارا بالثيب لتقدمها عليها فيما يراد له النساء ، وترك العطف [ ص: 156 ]

في الصفات السابقة لأنها صفات تجتمع في شيء واحد وبينها شدة اتصال يقتضي ترك العطف ووسط العاطف هنا للدلالة على تغاير الصفتين وعدم اجتماعهما في ذات واحدة ، ولم يؤت - بأو - قيل : ليكون المعنى أزواجا بعضهن ثيبات وبعضهن أبكار ، وقريب منه ما قيل : وسط العاطف بين الصفتين لأنهما في حكم صفة واحدة إذ المعنى مشتملات على الثيبات والأبكار فتدبر ، وفي الانتصاف لابن المنير ذكر لي الشيخ ابن الحاجب أن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب كان يعتقد أن الواو في الآية هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية لأنها ذكرت مع الصفة الثامنة ، وكان الفاضل يتبجح باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة قبله : أحدها في التوبة التائبون العابدون إلى قوله سبحانه : والناهون عن المنكر [التوبة : 112] ، والثاني في قوله تعالى : وثامنهم كلبهم [الكهف : 22] ، والثالث في قوله تعالى : وفتحت أبوابها [الزمر : 73] إلى أن ذكر ذلك يوما بحضرة أبي الجود النحوي المقرئ فبين له أنه واهم في عدها من ذلك القبيل ، وأحال على المعنى الذي ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إلى الإتيان بها ها هنا لامتناع اجتماع الصفتين في موصوف واحد وواو الثمانية إن ثبتت فإنما ترد بحيث لا حاجة إليها إلا الإشعار بتمام نهاية العدد الذي هو السبعة فأنصفه الفاضل واستحسن ذلك منه ، وقال : أرشدتنا يا أبا الجود . انتهى .

وذكر الجنسان لأن في أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم من تزوجها ثيبا وفيهن من تزوجها بكرا ، وجاء أنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج بكرا إلا عائشة رضي الله تعالى عنها وكانت تفتخر بذلك على صواحباتها ، وردت عليها الزهراء على أبيها وعليها الصلاة والسلام بتعليم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إياها حين افتخرت على أمها خديجة رضي الله تعالى عنها بقولها : إن أمي تزوج بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بكر لم يره أحد من النساء غيرها ولا كذلك أنتن فسكتت

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث