الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لا يستوي القاعدون شروع في الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه، وليرغبوا عما يوجب خللا فيه، والمراد بالقاعدين الذين أذن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم، وروى البخاري، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - «هم القاعدون عن بدر» وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ما قيل.

وقال أبو حمزة: إنهم المتخلفون عن تبوك، وروي أن الآية نزلت في كعب بن مالك من بني سلمة، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف، والربيع، وهلال بن أمية من بني واقف، حين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك الغزوة.

من المؤمنين حال من القاعدين، وجوز أن يكون من الضمير المستتر فيه، وفائدة ذلك الإيذان من أول الأمر بأن القعود عن الجهاد لا يقعد بهم عن الإيمان، والإشعار بعلة استحقاقهم لما سيأتي من الحسنى أي: لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد حال كونهم كائنين من المؤمنين غير أولي الضرر بالرفع على أنه صفة (للقاعدون) وهو إن كان معرفة و(غير) لا تتعرف في مثل هذا الموضع لكنه غير مقصود منه قاعدون بعينهم، بل الجنس، فأشبه الجنس فصح وصفه بها.

وزعم عصام الدين أن (غير) هنا معرفة و(غير أولي الضرر) بمعنى من لا ضرر له، ونقل عن الرضي، وبه ضعف ما تقدم أن المعرف باللام المبهم وإن كان في حكم النكرة لكنه لا يوصف بما توصف به النكرة، بل يتعين أن تكون صفته جملة فعلية فعلها مضارع كما في قوله:


ولقد أمر على اللئيم يسبني فأصد ثم أقول ما يعنيني

واستحسن بعضهم جعله بدلا من (القاعدون) لأن (أل) فيه موصولة، والمعروف إرادة الجنس في المعرف بالألف واللام، وبينهما فرق، وجوز الزجاج الرفع على الاستثناء، وتبعه الواحدي فيه، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي بالنصب على أنه حال، وهو نكرة لا معرفة، أو على الاستثناء ظهر إعراب ما بعده عليه.

وقرئ بالجر على أنه صفة للمؤمنين، أو بدل منه، وكون النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة أكثري لا كلي و(الضرر): المرض والعلل التي لا سبيل معها إلى الجهاد، وفي معناها أو هو داخل فيها العجز عن الأهبة، وقد نزلت الآية وليس فيها (غير أولي الضرر) ثم نزل بعد.

فقد روى مالك، عن الزهري، عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت: «كنت أكتب بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتف (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) وابن أم مكتوم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أدرى، قال زيد: وقلمي رطب ما جف، حتى غشى النبي - صلى الله عليه وسلم – الوحي، ووقع فخذه على فخذي، حتى كادت تدق من ثقل الوحي ثم جلي عنه فقال لي: اكتب يا زيد غير أولي الضرر).

والمجاهدون في سبيل الله في منهاج دينه بأموالهم إنفاقا فيما يوهن كيد الأعداء وأنفسهم حملا لها على الكفاح عند اللقاء، وكلا الجارين متعلق بـ(المجاهدون) وأوردوا بهذا العنوان دون عنوان الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه، وقيده بما قيده؛ مدحا لهم وإشعارا بعلة استحقاقهم لعلو المرتبة مع ما فيه من حسن موقع السبيل في مقابلة القعود كما قيل.

وقيل: إنما أوردوا بعنوان الجهاد؛ [ ص: 122 ] إشعارا بأن القعود كان عنه، ولكن ترك التصريح به هناك رعاية لهم في الجملة، وقدم (القاعدون) على (المجاهدين) ولم يؤخر عنهم ليتصل التصريح بتفضيلهم بهم، وقيل: للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبئ عنه عدم الاستواء من جهة القاعدين لا من جهة مقابليهم، فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا - وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد - لكن المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر، وعليه قوله تعالى: هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور إلى غير ذلك.

وأما قوله تعالى: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فلعل تقديم الفاضل فيه؛ لأن صلته ملكة لصلة المفضول.

وأنت تعلم أنه لا تزاحم في النكات، وأنه قد يكون في شيء واحد جهة تقديم وجهة تأخير، فتعتبر هذه تارة وتلك أخرى، وإنما قدم سبحانه وتعالى هنا ذكر الأموال على الأنفس وعكس في قوله عز شأنه: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم لأن النفس أشرف من المال، فقدم المشترى النفس؛ تنبيها على أن الرغبة فيها أشد، وأخر البائع؛ تنبيها على أن المماسكة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في فائدة، وعلى ذلك النمط جاء أيضا قوله تعالى: فضل الله المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من المؤمنين (غير أولي الضرر درجة لا يقادر قدرها، ولا يبلغ كنهها، وهذا تصريح بما أفهمه نفي المساواة، فإنه يستلزم التفضيل، إلا أنه لم يكتف بما فهم اعتناء به، وليتمكن أشد تمكن، ولكون الجملة مبينة وموضحة لما تقدم لم تعطف عليه، وجوز أن تكون جواب سؤال ينساق إليه المقال، كأنه قيل: كيف وقع ذلك التفضيل؟ فقيل: (فضل الله) إلخ، واللام - كما أشرنا إليه - في الجمعين للعهد، ولا يأباه كون مدخولها وصفا - كما قيل - إذ كثيرا ما ترد (أل) فيه للتعريف كما صرح به النحاة و(درجة) منصوب على المصدر؛ لتضمنها التفضيل لأنها المنزلة والمرتبة، وهي تكون في الترقي والفضل، فوقعت موقع المصدر، كأنه قيل: فضلهم تفضيلة، وذلك مثل قولهم: ضربته سوطا، أي: ضربة، وقيل: على الحال أي: ذوي درجة، وقيل: على التمييز، وقيل: على تقدير حذف الجار، أي: بدرجة، وقيل: هو واقع موقع الظرف، أي: في درجة ومنزلة.

وقوله تعالى: وكلا مفعول أول لما يعقبه، قدم عليه لإفادة القصر؛ تأكيدا للوعد، وتنوينه عوض عن المضاف إليه، أي: كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين وعد الله المثوبة الحسنى وهي الجنة، كما قال قتادة وغيره، لا أحدهما فقط.

وقرأ الحسن (وكل) بالرفع على الابتداء، فالمفعول الأول - وهو العائد في جملة الخبر - محذوف أي: وعده، وكأن التزام النصب في المتواترة؛ لأن قبله جملة فعلية، وبذلك خالف ما في الحديد، و(الحسنى) على القراءتين هو المفعول الثاني، والجملة اعتراض جيء به تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول.

وقوله سبحانه: وفضل الله المجاهدين على القاعدين عطف على ما قبله، وأغنت (أل) عن ذكر ما ترك على سبيل التدريج من القيود، وإنما لم يعتبر التدريج في ترك ما ذكر مع القاعدين أولا بأن يترك (من المؤمنين) فقط ويذكر (غير أولي الضرر) في الآية الأولى، ويتركهما معا في الآية الثانية بل تركهما دفعة واحدة عند أول قصد التدريج قيل: لأن قيد (غير أولي الضرر) كان بعد السؤال، كما يشير إليه سبب النزول.

وفي بعض أخباره أن ابن أم مكتوم لما نزلت الآية جعل يقول: أي رب أين عذري؟ أي رب: أين عذري؟ فنزل ذلك، فانسدت باب الحاجة إليه، وقنع السائل بذكره مرة فأسقط مع ما معه الساقط لذلك القصد دفعة، ولا كذلك [ ص: 123 ] ما ذكر مع المجاهدين، فإن الإتيان به كان عن محض الفضل والامتنان من غير سابقة سؤال، فلما فتحت باب الإسقاط اعتبر فيه التدريج؛ فرقا بين المقامين.

وقوله تعالى: أجرا عظيما مصدر مؤكد لـ(فضل) وهو - وإن كان بمعنى أعطى الفضل وهو أعم من الأجر لأنه ما يكون في مقابلة أمر - لكن أريد به هنا الأخص؛ لأنه في مقابلة الجهاد، ويجوز أن يبقى على معناه، و(أجرا) مفعول به، ولتضمنه معنى الإعطاء نصب المفعول، أي: أعطاهم زيادة (على القاعدين أجرا عظيما) وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، أي: فضلهم بأجر.

وجعله صفة لقوله تعالى:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث