الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به

وإذا جاءوكم قالوا آمنا نزلت - كما قال قتادة والسدي - في ناس من اليهود ، كانوا يدخلون على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فيظهرون له الإيمان والرضا بما جاء به؛ نفاقا، فالخطاب للرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - والجمع للتعظيم، أو له - عليه الصلاة والسلام - مع من عنده من أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - أي إذا جاءوكم أظهروا لكم الإسلام.

وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به أي يخرجون من عندك كما دخلوا، لم ينتفعوا بحضورهم بين يديك، ولم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، والجملتان في موضع الحال من ضمير ( قالوا ) على الأظهر.

وجوز أبو البقاء أن يكونا حالين من الضمير في ( آمنا ) وباء ( بالكفر ) و( به ) للملابسة، والجار والمجرور [ ص: 178 ] حالان من فاعل ( دخلوا ) و( خرجوا ) والواو الداخلة على الجملة الاسمية الحالية للحال، ومن منع تعدد الجملة الحالية من غير عطف يقول: إنها عاطفة، والمعطوف على الحال حال أيضا، ودخول ( قد ) في الجملة الحالية الماضوية - كما قال العلامة الثاني - لتقرب الماضي إلى الحال فتكسر سورة استبعاد ما بين الماضي والحال في الجملة، وإلا ( فقد ) إنما تقرب إلى حال التكلم.

وهذا إشارة إلى ما أوضحه السيد السند في حاشية المتوسط من أنه قيل: إن الماضي إنما يدل على انقضاء زمان قبل زمان التكلم، والحال الذي يبين هيئة الفاعل أو المفعول قيد لعامله، فإن كان العامل ماضيا كان الحال أيضا ماضيا بحسب المعنى، وإن كان حالا كان حالا، وإن كان مستقبلا كان مستقبلا، فما ذكروه غلط نشأ من اشتراك لفظ الحال بين الزمان الحاضر - وهو الذي يقابل الماضي - وبين ما يبين الحالة المذكورة، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن الفعل إذا وقع قيدا لشيء يعتبر كونه ماضيا أو حالا أو مستقبلا بالنظر إلى ذلك المقيد، فإذا قيل: ( جاءني زيد ركب ) يفهم منه أن الركوب كان متقدما على المجيء، فلا بد من ( قد ) حتى يقربه إلى زمان المجيء فيقارنه، وذكر نحو ذلك العلامة الكافيجي في شرح القواعد، ثم قال: وأما الاعتذار بأن تصدير الماضي المثبت بلفظة ( قد ) لمجرد استحسان لفظي فإنما هو تسليم لذلك الاعتراض، فليس بمقبول ولا مرضي، انتهى.

ولذلك زيادة تفصيل في محله، وقد ذكر لها معنى آخر في الآية غير التقريب، وهو التوقع، فتفيد أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يتوقع دخول أولئك الفجرة وخروجهم من خضيلة حضرته - أفرغ من يد تفت اليرمع - لم يعلق بهم شيء مما سمعوا من تذكيره - عليه الصلاة والسلام - بآيات الله - عز وجل -لظنه - بما يرى من الأمارات اللائحة عليهم - نفاقهم الراسخ، ولذلك قال سبحانه:

والله أعلم بما كانوا يكتمون وفيه من الوعيد ما لا يخفى، وفي الكشاف: إن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، وكان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - متوقعا لإظهار الله تعالى ما كتموه، فدخل حرف التوقع لذلك، واعترضه الطيبي بأن ( قد ) موضوعة لتوقع مدخولها، وهو ها هنا عين النفاق، فكيف يقال: لإظهار الله تعالى ما كتموه؟! وأجاب بأنه لا شك أن المتوقع ينبغي أن يكون حاصلا، وكونهم منافقين كان معلوما عنده - صلوات الله تعالى وسلامه عليه - بدليل قوله: ( إن أمارات النفاق ) إلخ، فيجب المصير إلى المجاز، والقول بإظهار الله تعالى ما كتموه، وقال في الكشف معرضا به: إن الدخول في الكفر والخروج به إظهار له، فلذلك أدخل عليه حرف التوقع؛ لا أنه عين النفاق ليحتاج إلى تجوز في رجوع التوقع إلى إظهاره، وإن ظهور أمارته غير إظهار الله تعالى إياه بإخباره سبحانه عنهم، وأنهم متلبسون بالكفر، متقلبون فيه خروجا ودخولا، انتهى، فليتأمل.

وإنما لم يقل سبحانه: ( وقد خرجوا ) على طرز الجملة الأولى؛ إفادة لتأكيد الكفر حال الخروج؛ لأنه خلاف الظاهر، إذ كان الظاهر بعد تنور أبصارهم برؤية مطلع شمس الرسالة، وتشنف أسماعهم بلآلئ كلمات بحر البسالة - عليه الصلاة والسلام - أن يرجعوا عما هم عليه من الغواية، ويحلوا جياد قلوبهم العاطلة عن حلي الهداية، وأيضا أنهم إذا سمعوا قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأنكروه ازداد كفرهم، وتضاعف ضلالهم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث