الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

فإذا صح جواز الاجتهاد في استخراج معاني القرآن من فحوى ألفاظه، وشواهد خطابه، فقد قسم عبد الله بن عباس رضي الله عنه وجوه التفسير على أربعة أقسام: فروى سفيان، عن أبي الزناد قال ابن عباس : " التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب بكلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل " وهذا صحيح.

أما الذي تعرفه العرب بكلامها، فهو حقائق اللغة وموضوع كلامهم.

وأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فهو ما يلزم الكافة في القرآن من الشرائع وجملة دلائل التوحيد.

وأما الذي يعلمه العلماء، فهو وجوه تأويل المتشابه وفروع الأحكام.

وأما الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل، فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة.

وهذا التقسيم الذي ذكره ابن عباس صحيح، غير أن ما لا يعذر أحد بجهالته [ ص: 37 ]

داخل في جملة ما يعلمه العلماء من الرجوع إليهم في تأويله، وإنما يختلف القسمان في فرض العلم به، فما لا يعذر أحد بجهله يكون فرض العلم به على الأعيان، وما يختص بالعلماء يكون فرض العلم به على الكفاية، فصار التفسير منقسما على ثلاثة أقسام:

أحدهما: ما اختص الله تعالى بعلمه، كالغيوب فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره ولا يجوز أن يؤخذ [إلا] عن توقيف، من أحد ثلاثة أوجه:

إما من نص في سياق التنزيل.

وإما عن بيان من جهة الرسول.

وإما عن إجماع الأمة على ما اتفقوا عليه من تأويل.

فإن لم يرد فيه توقيف، علمنا أن الله تعالى أراد لمصلحة استأثر بها، ألا يطلع عباده على غيبه.

والقسم الثاني: ما يرجع فيه إلى لسان العرب، وذلك شيئان، اللغة والإعراب:

فأما اللغة، فيكون العلم بها في حق المفسر دون القارئ، فإن كان مما [لا] يوجب العمل، جاز أن يعمل فيه على خبر الواحد والاثنين، وأن يستشهد فيه من الشعر بالبيت والبيتين، وإن كان مما يوجب العمل، لم يعمل فيه على خبر الواحد والاثنين، ولا يستشهد فيه بالبيت والبيتين، حتى يكون نقله مستفيضا، وشواهد الشعر فيه متناصرة.

وقد روى أبو حاضر، عن ابن عباس : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أي علم القرآن أفضل؟ قال: " غريبه، فالتمسوه في الشعر ". وإنما خص الغريب لاختصاصه بإعجاز القرآن، وأحال على الشعر لأنه ديوان كلامهم، [ ص: 38 ]

وشواهد معانيهم، وقد قال ابن عباس : " إذا أشكل عليكم الشيء من كتاب الله، فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب.

وأما الإعراب، فإن كان اختلافه موجبا لاختلاف حكمه وتغيير تأويله، لزم العلم به في حق المفسر وحق القارئ، ليتوصل المفسر إلى معرفة حكمه، ويسلم القارئ من لحنه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه ".

وإن كان اختلاف إعرابه لا يوجب اختلاف حكمه، ولا يقتضي تغيير تأويله، كان العلم بإعرابه لازما في حق القارئ ليسلم من اللحن في تأويلاته، ولم يلزم في حق المفسر لوصوله مع الجهل بإعرابه إلى معرفة حكمه، وإن كان الجهل بإعراب القرآن نقصا عاما.

والقسم الثالث: ما يرجع فيه إلى اجتهاد العلماء، وهو تأويل المتشابه، واستنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، والمجتهدون من علماء الشرع أخص بتفسيره من غيرهم حملا لمعاني الألفاظ على الأصول الشرعية، حتى لا يتنافى الجمع بين معانيها وأصول الشرع، فيعتبر فيه حال اللفظ، فإنه ينقسم قسمين:

أحدهما: أن يكون مشتملا على معنى واحد لا يتعداه، ومقصورا عليه ولا يحتمل ما سواه، فيكون من المعاني [الجلية] والنصوص الظاهرة، التي يعلم مراد الله تعالى بها قطعا من صريح كلامه، وهذا قسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله.

والقسم الثاني: أن يكون اللفظ محتملا لمعنيين أو أكثر، وهذا على ضربين: [ ص: 39 ]

أحدهما: أن يكون أحد المعنيين ظاهرا جليا، والآخر باطنا خفيا، فيكون محمولا على الظاهر الجلي دون الباطن الخفي، إلا أن يقوم الدليل على أن الجلي غير مراد، فيحمل على الخفي.

والضرب الثاني: أن يكون المعنيان [جليين، واللفظ مستعملا فيهما حقيقة، وهذا على ضربين:

أحدهما: أن يختلف أصل الحقيقة فيهما، فهذا ينقسم على ثلاثة أقسام:

أحدها: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في اللغة، والآخر مستعملا في الشرع، فيكون حمله على المعنى الشرعي أولى من حمله على المعنى اللغوي، لأن الشرع ناقل.

والقسم الثاني: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في اللغة، والآخر مستعملا في العرف، فيكون حمله على المعنى العرفي أولى من حمله على معنى اللغة، لأنه أقرب معهود.

والقسم الثالث: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في الشرع، والآخر مستعملا في العرف، فيكون حمله على معنى الشرع أولى من حمله على معنى العرف لأن الشرع ألزم.

والضرب الثاني: أن يتفق أصل الحقيقة فيهما فيكونا مستعملين في اللغة على سواء، أو في الشرع، أو في العرف فهذا على ضربين:

أحدهما: أن يتنافى اجتماعهما ولا يمكن استعمالهما كالأحكام الشرعية مثل القرء الذي هو حقيقة في الطهر، وحقيقة في الحيض، ولا يجوز للمجتهد أن يجمع بينهما، لتنافيهما، وعليه أن يجتهد رأيه في المراد فيهما بالأمارات الدالة عليه، فإذا وصل إليه، كان هو الذي أراده الله تعالى منه، وإن أدى اجتهاد غيره إلى الحكم الآخر، كان هو المراد منه فيكون مراد الله تعالى من كل واحد منهما، ما أداه اجتهاده إليه. [ ص: 40 ]

ولو لم يترجح للمجتهد أحد الحكمين، ولا غلب في نفسه أحد المعنيين لتكافؤ الأمارات عنده، ففيه للعلماء مذهبان:

أحدهما: أن يكون مخيرا، للعمل في العمل على أيهما شاء.

والضرب الثاني: أن يأخذ بأغلظ المذهبين حكما.

والضرب الثاني من اختلاف المعنيين: ألا يتنافيا ويمكن الجمع بينهما فهذا على ضربين:

أحدهما: أن يتساويا، ولا يترجح أحدهما على الآخر بدليل، فيكون المعنيان معا مرادين، لأن الله تعالى لو أراد أحدهما لنصب على مراده منهما دليلا، وإن جاز أن يريد كل واحد من المعنيين بلفظين متغايرين لعدم التنافي بينهما، جاز أن يريدهما بلفظ واحد، يشتمل عليهما، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة.

والضرب الثاني: أن يترجح أحدهما على الآخر بدليل، وهو على ضربين:

أحدهما: أن يكون دليلا على بطلان أحد المعنيين، فيسقط حكمه ويصير المعنى الآخر هو المراد، وحكمه هو الثابت.

والضرب الثاني: أن يكون دليلا على صحة أحد المعنيين فيثبت حكمه ويكون مرادا ولا يقتضي سقوط المعنى الآخر، ويجوز أن يكون مرادا، وإن لم يكن عليه دليل، لأن موجب لفظه دليل، فاستويا في حكم اللفظ، وإن ترجح أحدهما بدليل، فصارا مرادين معا.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن المعنى الذي يرجح بدليل أثبت حكما من المعنى الذي تجرد عنه ولقوته بالدليل الذي ترجح به، فهذا أصل يعتبر [من] وجود التفسير، ليكون ما احتملته ألفاظ القرآن من اختلاف المعاني محمولا عليه، فيعلم ما يؤخذ به ويعدل عنه.

فإن قيل: فقد ورد الخبر بما يخالف هذا الأصل المقرر، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " ما نزل من القرآن من آية إلا لها ظهر وبطن ولكل حرف [ ص: 41 ]

حد ولكل حد مطلع
" قيل: ليس هذا الحديث - مع كونه من أخبار الآحاد - منافيا لما قررناه من الأصول المستمرة، لما فيه من التأويلات المختلفة.

أما قوله: " ما نزل من القرآن من آية إلا لها ظهر وبطن " ففيه أربعة تأويلات:

أحدها: معناه أنك إذا فتشت عن باطنها وقسته على ظاهرها، وقفت على معناها، وهو قول الحسن .

والثاني: يعني أن القصص ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها عظة للآخرين، وهذا قول أبي عبيد.

والثالث: معناه ما من آية إلا وقد عمل بها قوم، ولها قوم سيعملون بها، وهذا قول ابن مسعود .

والرابع: يعني أن ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها، وهذا قول الجاحظ.

وأما قوله: " ولكل حرف حد " ففيه تأويلان:

أحدهما: معناه أن لكل لفظ منتهى، فيما أراده الله تعالى من عباده.

والثاني: أن لكل حكم مقدارا من الثواب والعقاب. [ ص: 42 ]

وأما قوله: " ولكل حد مطلع " ففيه تأويلان:

أحدهما: معناه ولكل غامض من الأحكام مطلع يوصل منه إلى معرفته، ويوقف منه على المراد به.

والثاني: معناه أن كل ما استحقه من الثواب والعقاب سيطلع عليه في الآخرة ويراه عند المجازاة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث