الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون

تلك الرسل : إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضلنا بعضهم على بعض : لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات منهم من كلم الله : منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير، وهو موسى -عليه السلام- وقرئ: (كلم الله) بالنصب، وقرأ اليماني: (كالم الله) من المكالمة، ويدل عليه قولهم: كليم الله، بمعنى مكالمه ورفع بعضهم درجات : أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمدا - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء; لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه.

وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيرا والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي لم يفخم أمره.

ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمدا وغيرهما من أولي العزم من الرسل، وعن ابن عباس -رضي الله عنه-: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء، فذكرنا نوحا بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء، فدخل -عليه السلام- فقال: "فيم أنتم؟ فذكرنا له، فقال: لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها".

فإن قلت: فلم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة، ولقد بين الله وجه التفضيل، حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل، وهذا دليل بين أن من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره، ولما كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع، اللهم ارزقنا شفاعته يوم الدين.

ولو شاء الله مشيئة إلجاء وقسر، ما اقتتل الذين من بعد الرسل، لاختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضا، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن لالتزامه دين الأنبياء ومنهم من كفر : لإعراضه عنه ولو شاء الله ما اقتتلوا : كرره للتأكيد، ولكن الله يفعل ما يريد : من الخذلان والعصمة.

أنفقوا مما رزقناكم : أراد الإنفاق الواجب، لاتصال الوعيد به، من قبل أن يأتي يوم : لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق; لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه ولا خلة حتى يسامحكم أخلاؤكم به، وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمتكم من الواجب لم تجدوا شفيعا يشفع لكم في حط الواجبات; لأن الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير.

والكافرون هم الظالمون : أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال: "والكافرون" للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج ومن كفر مكان (ومن لم يحج) ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ، وقرئ: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بالرفع.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث