الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 177 ] يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج

قرأ الحسن : "من البعث " : بالتحريك ، ونظيره : الجلب والطرد ، في الجلب والطرد ؛ كأنه قيل : إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم ، والعلقة : قطعة الدم الجامدة ، والمضغة : اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ ، والمخلقة : المسواة الملساء من النقصان والعيب ، يقال : خلق السواك والعود : إذا سواه وملسه ، من قولهم : صخرة خلقاء ، وإذا كانت ملساء ؛ كأن الله -تعالى- يخلق المضغ متفاوتة : منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ، ومنها ما هو على عكس ذلك ، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم ، وصورهم وطولهم وقصرهم ، وتمامهم ونقصانهم ؛ وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة : لنبين لكم : بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا ، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا ، ثم من نطفة ثانيا ولا تناسب بين الماء والتراب ، وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر ، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاما : قدر على إعادة ما أبدأه ، بل هذا أدخل في القدرة من تلك ، وأهون في القياس ، وورود الفعل غير معدى إلى المبين : إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر ولا يحيط به الوصف ، وقرأ ابن أبي عبلة : "ليبين لكم " ، ويقر ، بالياء ، وقرئ : "ونقر " ، و "نخرجكم " : بالنون والنصب ، و "يقر " ، و "يخرجكم " ، و "يقر " ، و "يخرجكم " : بالنصب والرفع ، وعن يعقوب : "نقر " : بالنون وضم القاف ، من قر الماء إذا صبه ، فالقراءة بالرفع إخبار بأنه يقر ، في الأرحام ما نشاء : أن يقره من ذلك ، إلى أجل مسمى : وهو وقت الوضع آخر ستة أشهر ، أو تسعة ، أو سنتين ، أو أربع ، أو كما شاء وقدر ، وما لم يشأ إقراره مجته الأرحام أو أسقطته ، والقراءة بالنصب : تعليل معطوف على تعليل ، ومعناه : خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين ، أحدهما : أن نبين قدرتنا ، والثاني : أن نقر في الأرحام من نقر ، حتى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حد التكليف فأكلفهم ؛ ويعضد هذه القراءة قوله : ثم لتبلغوا أشدكم [الحج : 5 ] ، وحده ؛ لأن الغرض الدلالة على الجنس ، ويحتمل : نخرج كل واحد منكم طفلا ، الأشد : كمال القوة والعقل والتمييز ، وهو من ألفاظ الجموع التي لم [ ص: 178 ] يستعمل لها واحد كالأسدة والقتود والأباطيل وغير ذلك ، وكأنها شدة في غير شيء واحد ، فبنيت لذلك على لفظ الجمع ، وقرئ "ومنكم من يتوفى " ، أي : يتوفاه الله ، أرذل العمر الهرم والخرف ، حتى يعود كهيئته الأولى في أوان طفولته : ضعيف البنية ، سخيف العقل ، قليل الفهم ، بين أنه كما قدر على أن يرقيه في درجات الزيادة حتى يبلغه حد التمام ، فهو قادر على أن يحطه حتى ينتهي به إلى الحالة السفلى ، لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ، أي : ليصير نساء ، بحيث إذ كسب علما في شيء لم ينشب أن ينساه ويزل عنه علمه حتى يسأل عنه من ساعته ، يقول لك : من هذا ؟ فتقول : فلان ، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه ، وقرأ أبو عمرو : "العمر " : بسكون الميم ، الهامدة : الميتة اليابسة ؛ وهذه دلالة ثانية على البعث ، ولظهورها وكونها مشاهدة معاينة ، كررها الله في كتابه ، اهتزت وربت : تحركت بالنبات وانتفخت ، وقرئ : "ربأت " ، أي : ارتفعت ، البهيج : الحسن السار للناظر إليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث