الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير

جزء التالي صفحة
السابق

والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون

"البدن " : جمع بدنة ؛ سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة ، ولأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألحق البقر بالإبل حين قال : "البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة " ، فجعل البقر في حكم الإبل ، صارت البدنة في الشريعة متناولة للجنسين [ ص: 196 ] عند أبي حنيفة وأصحابه ، وإلا فالبدن هي الإبل وعليه تدل الآية ، وقرأ الحسن : "والبدن " : [ ص: 197 ] بضمتين ، كثمر في جمع ثمرة ، وابن أبي إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف ، وقرئ بالنصب والرفع ؛ كقوله : والقمر قدرناه [يس : 39 ] . من شعائر الله أي : من أعلام الشريعة التي شرعها الله ، وإضافتها إلى اسمه ؛ تعظيم لها ، لكم فيها خير كقوله : لكم فيها منافع [الحج : 33 ] ، ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع بشهادة الله ، عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير ، فاشترى بها بدنة ، فقيل له في ذلك ، فقال : سمعت ربي يقول : لكم فيها خير [الحج : 36 ] ، وعن ابن عباس : دنيا وآخرة ، وعن إبراهيم : من احتاج إلى ظهرها ركب ، ومن احتاج إلى لبنها شرب ، وذكر اسم الله : أن يقول عند النحر : الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، اللهم ، منك وإليك ، "صواف " : قائمات ، قد صففن أيديهن وأرجلهن ، وقرئ : "صوافن " : من صفون الفرس ، وهو : أن يقوم على ثلاث وينصب الرابعة على طرف سنبكه ؛ لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث . وقرئ : "صوافي " ، أي : خوالص لوجه الله ، وعن عمرو بن عبيد : "صوافنا " : بالتنوين عوضا من حرف الإطلاق عند الوقف وعن بعضهم : صواف ؛ نحو مثل العرب ، أعط القوس باريها ، بسكون الياء .

وجوب الجنوب : وقوعها على الأرض ، ومن وجب الحائط وجبة إذا سقط ، ووجبت الشمس جبة : غربت ، والمعنى : فإذا وجبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الأكل منها والإطعام "القانع " : السائل ، من قنعت إليه وكنعت : إذا خضعت له وسألته قنوعا "والمعتر " : المعترض بغير سؤال ، أو القانع الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال ، من قنعت قنعا وقناعة ، والمعتر : المعترض بسؤال ، وقرأ الحسن : والمعتري ، وعره وعراه واعتراه واعتره : بمعنى ، وقرأ أبو رجاء : "القنع " ، وهو الراضي لا غير ، يقال : قنع فهو قنع وقانع .

من الله على عباده واستحمد إليهم بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا ، يأخذونها منقادة للأخذ طيعة فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها ، ثم يطعنون في لبانها ، ولولا تسخير الله لم تطق ، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرما وأقل قوة ، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهدا وعبرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث