الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج

جزء التالي صفحة
السابق

وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير

[ ص: 214 ] "وجاهدوا " : أمر بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رجع من بعض غزواته فقال : "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" في الله أي : في ذات الله ومن أجله ، يقال : هو حق عالم ، وجد عالم ، أي : عالم حقا وجدا ، ومنه : حق جهاده .

فإن قلت : ما وجه هذه الإضافة ، وكان القياس : حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه ، كما قال : وجاهدوا في الله ؟

قلت : الإضافة : تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله ، صحت إضافته إليه ، ويجوز أن يتسع في الظرف ؛ كقوله [من الطويل ] :


ويوما شهدناه سليما وعامرا



"اجتباكم " : اختاركم لدينه ولنصرته ، وما جعل عليكم في الدين من حرج : فتح باب التوبة للمجرمين ، وفسح بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش ؛ ونحوه قوله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة : 185 ] ، وأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- هي الأمة المرحومة الموسومة بذلك في الكتب المتقدمة .

نصب الملة بمضمون ما تقدمها ، كأنه قيل : وسع دينكم توسعة ملة أبيكم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، أو على الاختصاص ، أي : أعني بالدين ملة أبيكم ؛ كقولك : الحمد لله الحميد .

فإن قلت : لم يكن " إبراهيم" أبا للأمة كلها .

[ ص: 215 ] قلت : هو أبو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان أبا لأمته ؛ لأن أمة الرسول في حكم أولاده ، "هو " : يرجع إلى الله تعالى ، وقيل : إلى إبراهيم ؛ ويشهد للقول الأول قراءة أبي بن كعب : "الله سماكم" من قبل وفي هذا أي : من قبل القرآن في سائر الكتب وفي القرآن ، أي : فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم ، ليكون الرسول شهيدا عليكم : أنه قد بلغكم وتكونوا شهداء على الناس : بأن الرسل قد بلغتهم ، وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة ، فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلا منه ؛ فهو خير مولى وناصر .

عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها ، وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث