الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس

جزء التالي صفحة
السابق

الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم

"الربا": كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يقومون : إذا بعثوا من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان أي: المصروع، وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد [ ص: 506 ] على ما كانوا يعتقدون، والمس: الجنون، ورجل ممسوس، وهذا أيضا من زعماتهم، وأن الجني يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل معناه: ضربته الجن، ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.

فإن قلت: بم يتعلق قوله: من المس ؟ قلت: بـ لا يقومون أي: لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع، ويجوز أن يتعلق بـ(يقوم) أي: كما يقوم المصروع من جنونه، والمعنى: أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقيل: الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين; لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض "ذلك": العقاب بسبب قولهم إنما البيع مثل الربا .

فإن قلت: هلا قيل: إنما الربا مثل البيع; لأن الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال: إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟ قلت: جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع.

وقوله: وأحل الله البيع وحرم الربا : إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على أن القياس يهدمه النص; لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه، فمن جاءه موعظة : فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا، "فانتهى": فتبع النهي وامتنع، فله ما سلف : فلا يؤخذ بما مضى منه; لأنه أخذ قبل نزول التحريم، وأمره إلى الله [ ص: 507 ] يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به، ومن عاد : إلى الربا، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون : وهذا دليل بين على تخليد الفساق، وذكر فعل الموعظة لأن تأنيثها غير حقيقي، ولأنها في معنى الوعظ، وقرأ أبي والحسن : (فمن جاءته).

يمحق الله الربا : يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه-: الربا وإن كثر إلى قل ويربي الصدقات : ما يتصدق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه، وفي الحديث: "ما نقصت زكاة من مال قط" كل كفار أثيم : تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث