الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 508 ] إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون

أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها، روي أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا، وقرأ الحسن -رضي الله عنه-: (ما بقى) بقلب الياء ألفا على لغة طيء، وعنه: (ما بقي) بياء ساكنة، ومنه قول جرير [من البسيط]:


هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنف



إن كنتم مؤمنين : إن صح إيمانكم، يعني: أن دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك، فأذنوا بحرب : فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، وقرئ: (فآذنوا)، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع; لأنه من طرق العلم، وقرأ الحسن: (فأيقنوا)، وهو دليل لقراءة العامة.

فإن قلت: هلا قيل بحرب الله ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ; لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم [من] عند الله ورسوله.

وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يدي لنا بحرب الله ورسوله: وإن تبتم من الارتباء فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون : المديونين بطلب الزيادة عليها، ولا تظلمون : بالنقصان منها.

فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا؟ قلت: قالوا: يكون مالهم فيئا للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم : (لا تظلمون ولا تظلمون).

وإن كان ذو عسرة : وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار، وقرأ عثمان -رضي الله عنه-: (ذا عسرة) على (وإن كان الغريم ذا عسرة)، وقرئ: (ومن كان ذا عسرة)، "فنظرة" أي: فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار، وقرئ: (فنظرة) [ ص: 509 ] بسكون الظاء، وقرأ عطاء : (فناظره) بمعنى فصاحب الحق ناظره، أي: منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي: ذو عشب وذو بقل، وعنه: (فناظره) على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها، إلى ميسرة : إلى يسار، وقرئ: بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة، وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله [من البسيط]:


وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا



وقوله تعالى: وإقام الصلاة [النور: 37].

وأن تصدقوا خير لكم : ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 237] وقيل: أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة" إن كنتم تعلمون : أنه خير لكم [ ص: 510 ] فتعملوا به، جعل من لا يعمل به - وإن علمه - كأنه لا يعلمه، وقرئ: (تصدقوا) بتخفيف الصاد على حذف التاء.

"ترجعون": قرئ على البناء للفاعل والمفعول، وقرئ: (يرجعون) بالياء على طريقة الالتفات، وقرأ عبد الله : (تردون)، وقرأ أبي: (تصيرون).

وعن ابن عباس : أنها آخر آية نزل بها جبريل -عليه السلام- وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدها أحدا وعشرين يوما، وقيل: أحدا وثمانين، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث