الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم

جزء التالي صفحة
السابق

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين

وهذا آخر ما اقتص الله من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله ، وظلمهم ، [ ص: 499 ] ومعاصيهم ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه - بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعباده ، ومعاينتهم الآيات العظام ، ومجاوزتهم البحر - من عبادة البقر ، وطلب رؤية الله جهرة ، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي ، ليعلم حال الإنسان ، وأنه كما وصفهم ظلوم ، كفار ، جهول ، كنود ، إلا من عصمه الله وقليل من عبادي الشكور [سبأ : 13] ، وليسلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة ، وروي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله - تعالى- فرعون وقومه ، فصاموه شكرا لله ، تعالى فأتوا على قوم : فمروا عليهم يعكفون على أصنام لهم : يواظبون على عبادتها ويلازمونها ، قال ابن جريج : كانت تماثيل بقر : وذلك أول شأن العجل ، وقيل : كانوا قوما من لخم ، وقيل : كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى - عليه السلام - بقتالهم ، وقرئ : "وجوزنا" ، بمعنى أجزنا ، يقال : أجاز المكان وجوزه وجاوزه بمعنى جازه ; كقولك : أعلاه وعلاه وعالاه ; وقرئ : "يعكفون" ، بضم الكاف وكسرها اجعل لنا إلها : صنما نعكف عليه كما لهم آلهة : أصنام يعكفون عليها ، "وما" كافة للكاف ; ولذلك وقعت الجملة بعدها ، وعن علي - رضي الله عنه - أن يهوديا قال له : اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه ، فقال : قلتم اجعل لنا إلها قبل أن تجف أقدامكم إنكم قوم تجهلون : تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى ، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده ; لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع إن هؤلاء يعني : عبدة تلك التماثيل متبر ما هم فيه : مدمر مكسر ما هم فيه ، من قولهم إناء متبر ، إذا كان فضاضا ، ويقال لكسار الذهب : التبر ، أي : يتبر الله ، ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي ، ويحطم أصنامهم هذه ويتركها رضاضا وباطل ما كانوا يعملون أي : ما عملوا شيئا من عبادتها فيما سلف إلا وهو باطل ، مضمحل ، لا ينتفعون به ، وإن كان زعمهم تقربا إلى الله ; كما قال تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [الفرقان : 23] ، وفي إيقاع "هؤلاء" اسما لإن ، وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا لها وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار ، وأنه لا يعدوهم البتة ، وأنه لهم ضربة لازب ، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ، ويبغض أليهم ما أحبوا أغير الله أبغيكم إلها : أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا ، وهو فعل بكم ما فعل دون غيره ، من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحد غيركم ، لتختصوه بالعبادة ولا تشركوا به غيره ، ومعنى الهمزة : الإنكار والتعجب من طلبتهم - مع كونهم مغمورين في نعمة الله - عبادة غير الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث