الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون

إنما يستأذنك : يعني: المنافقين، وكانوا تسعة وثلاثين رجلا، يترددون : عبارة عن التحير، لأن التردد ديدن المتحير، كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر، وقرئ: "عده"، بمعنى: "عدته"; فعل بالعدة ما فعل بالعدة من قال [الطويل]:


وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا



من حذف تاء التأنيث، وتعويض المضاف إليه منها، وقرئ: "عدة" بكسر العين بغير إضافة، وعده بإضافة .

فإن قلت: كيف موقع حرف الاستدراك ؟

قلت: لما كان قوله: ولو أرادوا الخروج : معطيا معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو، قيل: ولكن كره الله انبعاثهم ، كأنه قيل: ما خرجوا، ولكن تثبطوا عن الخروج; لكراهة انبعاثهم، كما تقول: ما أحسن إلي زيد، ولكن أساء إلي، فثبطهم : [ ص: 50 ] فكسلهم، وخذلهم، وضعف رغبتهم في الانبعاث ، وقيل اقعدوا : جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمرا بالقعود، وقيل: هو قول الشيطان بالوسوسة، وقيل: هو قولهم لأنفسهم . وقيل: هو إذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم في القعود .

فإن قلت: كيف جاز أن يوقع الله -تعالى- في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو وهي قبيحة، وتعالى الله عن إلهام القبيح ؟

قلت: خروجهم كان مفسدة; لقوله: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسنا ومصلحة .

فإن قلت: فلم خطأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأذن لهم فيما هو مصلحة ؟

قلت: لأن إذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة ولا علمها إلا بعد القفول بإعلام الله تعالى; ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه، فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم ولا يتجوز في قبولها، فمن ثم أتاه العقاب، ويجوز أن يكون في ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الإذن لهم مع تثبيط الله إياهم مصلحة أخرى، فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة، وذلك أنهم إذا ثبطهم الله فلم ينبعثوا، وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قامت عليهم الحجة، ولم تبق لهم معذرة، ولقد تدارك الله ذلك; حيث هتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وشهد عليهم بالنفاق، وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر .

فإن قلت: ما معنى قوله: مع القاعدين ؟

قلت: هو ذم لهم وتعجيز، وإلحاق بالنساء، والصبيان، والزمنى الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت، وهم القاعدون، والخالفون، والخوالف، ويبينه قوله تعالى: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف [التوبة: 87]. إلا خبالا : جنس من الاستثناء المنقطع في شيء [ ص: 51 ] كما يقولون; لأن الاستثناء المنقطع هو: أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيرا إلا خبالا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر، وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلا; لأن الخبال بعض أعم العام، كأنه قيل: ما زادوكم شيئا إلا خبالا، والخبال: الفساد والشر، ولأوضعوا خلالكم : ولسعوا بينكم بالتضريب، والنمائم، وإفساد ذات البين; يقال: وضع البعير وضعا إذا أسرع وأوضعته أنا، والمعنى: ولأوضع ركائبهم بينكم، والمراد: الإسراع بالنمائم; لأن الراكب أسرع من الماشي، وقرأ ابن الزبير -رضي الله عنه-: "ولأرقصوا" من رقصت الناقة رقصا إذا أسرعت وأرقصتها; قال [من الكامل]:


......................... ...     والراقصات إلى منى فالغبغب



وقرئ: "ولأوفضوا".

فإن قلت: كيف خط في المصحف: "ولا أوضعوا"، بزيادة ألف ؟

قلت: كانت الفتحة تكتب ألفا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفا، وفتحتها ألفا أخرى، ونحو: أو لا أذبحنه، يبغونكم الفتنة : يحاولون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم، ويفسدوا نياتكم في مغزاكم، وفيكم سماعون لهم : أي: نمامون، يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم، لقد ابتغوا الفتنة : أي: العنت، ونصب الغوائل، والسعي في تشتيت شملك، وتفريق أصحابك عنك، كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد، حين انصرف بمن معه، وعن ابن جريج -رضي الله عنه-: وقفوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الثنية ليلة العقبة، وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به، من قبل : من قبل غزوة تبوك، وقلبوا لك الأمور : ودبروا لك الحيل والمكايد، دوروا الآراء في إبطال أمرك، وقرئ: "وقلبوا" بالتخفيف، حتى جاء الحق : وهو تأييدك ونصرك، وظهر أمر الله : وغلب دينه وعلا شرعه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث