الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 22 ] واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير

واعلموا أنما غنمتم عن الكلبي أنها نزلت ببدر، وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وما موصولة، وعائدها محذوف أي: الذي أصبتموه من الكفار عنوة، وأصل الغنيمة إصابة الغنم من العدو، ثم اتسع وأطلق على ما أصيب منهم كائنا ما كان، وقوله تعالى: من شيء بيان للموصول، محله النصب على أنه حال من عائد الموصول، قصد به الاعتناء بشأن الغنيمة، وأن لا يشذ عنها شيء، أي: ما غنمتموه كائنا مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط والمخيط خلا أن سلب المقتول للقاتل إذا نفله الإمام، وأن الأسارى يخير فيها الإمام، وكذا الأراضي المغنومة.

وقوله تعالى: فأن لله خمسه مبتدأ خبره محذوف، أي: فحق أو واجب أن له تعالى خمسه، وهذه الجملة خبر "لأنما"... إلخ، وقرئ بالكسر، والأول آكد وأقوى في الإيجاب لما فيه من تكرر الإسناد، كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس ولا سبيل إلى الإخلال به، وقرئ (فلله خمسه)، وقرئ (خمسه) بسكون الميم، والجمهور على أن ذكر الله تعالى للتعظيم، كما في قوله تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه وأن المراد قسمة الخمس على المعطوفين عليه بقوله تعالى: وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وإعادة اللام في ذي القربى - دون غيرهم من الأصناف الثلاثة - لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لمزيد اتصالهم به - صلى الله عليه وسلم - وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، دون بني عبد شمس، وبني نوفل، لما روي عن عثمان، وجبير بن مطعم - رضي الله عنهما - أنهما قالا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب؟ أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه» وكيفية قسمتها عندنا، أنها كانت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خمسة أسهم: سهم له - صلى الله عليه وسلم - وسهم للمذكورين من ذوي قرباه، وثلاثة أسهم للأصناف الثلاثة الباقية، وأما بعده - صلى الله عليه وسلم - فسهمه ساقط، وكذا سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم، فهم أسوة لسائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم، فيقسم على الأصناف الثلاثة، ويؤيده ما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه منع بني هاشم الخمس، وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم، وتزوج أيمكم، ويخدم من لا خادم له منكم، ومن عداهم فهو بمنزلة ابن السبيل الغني، لا يعطى من الصدقة شيئا.

وعن زيد بن علي مثله، قال: ليس لنا أن نبني منه قصورا، ولا نركب منه البراذين، وقيل: سهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لولي الأمر بعده.

وأما عند الشافعي - رحمه الله - فيقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف إلى ما كان يصرفه - صلى الله عليه وسلم - من مصالح المسلمين، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح، ونحو ذلك، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفرق الثلاث.

[ ص: 23 ] وعند مالك رحمه الله: الأمر فيه مفوض إلى اجتهاد الإمام، إن رأى قسمه بين هؤلاء، وإن رأى أعطاه بعضا منهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فغيرهم.

وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال: يقسم ستة أسهم، ويصرف سهم الله تعالى إلى رتاج الكعبة، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم، كان يأخذ منه قبضة فيجعلها لمصالح الكعبة، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، وقيل: سهم الله لبيت المال، وقيل: هو مضموم إلى سهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا شأن الخمس، وأما الأخماس الأربعة فتقسم بين الغانمين، للراجل سهم وللفارس سهمان - عند أبي حنيفة رضي الله عنه - وثلاثة أسهم عندهما رحمهما الله.

قال القرطبي: لما بين الله تعالى حكم الخمس وسكت عن الباقي دل ذلك على أنه ملك للغانمين.

وقوله تعالى: إن كنتم آمنتم بالله متعلق بمحذوف ينبئ عنه المذكور، أي: إن كنتم آمنتم به تعالى فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به إلى الله تعالى، فاقطعوا أطماعكم منه، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد به مجرد العلم بذلك، بل العلم المشفوع بالعمل والطاعة لأمره تعالى وما أنزلنا عطف على الاسم الجليل، أي: إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلناه على عبدنا وقرئ (عبدنا) وهو اسم جمع، أريد به الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون، فإن بعض ما نزل نازل عليهم بالذات كما ستعرفه يوم الفرقان يوم بدر، سمي به لفرقه بين الحق والباطل، وهو منصوب بأنزلنا أو بآمنتم يوم التقى الجمعان أي: الفريقان من المؤمنين والكافرين، وهو بدل من (يوم الفرقان) أو منصوب بالفرقان، والمراد ما أنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - يومئذ من الوحي والملائكة والفتح، على أن المراد بالإنزال مجرد الإيصال والتيسير، فينتظم الكل انتظاما حقيقيا، وجعل الإيمان بإنزال هذه الأشياء من موجبات العلم بكون الخمس لله تعالى على الوجه المذكور من حيث إن الوحي ناطق بذلك، وإن الملائكة والفتح لما كانا من جهته تعالى وجب أن يكون ما حصل بسببهما من الغنيمة مصروفة إلى الجهات التي عينها الله تعالى والله على كل شيء قدير يقدر على نصر القليل على الكثير ، والذليل على العزيز، كما فعل بكم ذلك اليوم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث